صالونات وليس مؤتمرات الشباب !

صالونات وليس مؤتمرات الشباب !

مدحت نافع

مدحت نافع

27 أبريل 2017

 

كثيراً ما يختلط مفهوم المؤتمر فى أذهان البعض بفكرة الصالون الثقافى! يقوم منظم المؤتمر بدعوة بعض أصدقائه ويتم مناقشة عدد من الموضوعات التى تهم الحاضرين والتى عادة لا تتغيّر ثم ينصرف الجميع ليعودوا للاجتماع بنفس تشكيلهم فى موعد لاحق..

 

هذا ما أعتقد انه يحدث اليوم فى مؤتمرات الشباب، فالدعوة عادة ما تشتمل على مجموعة تم اختيارها مسبقاً وفقاً لمعايير أمنية فى الأساس وذلك لتشكيل مجتمع ما عرف بالبرنامج الرئاسي (والذى كنت أحد محاضريه وشرفت بالتعرف على بعض طلابه المتميزين ثم انسحبت منه لأسباب لا مجال للاستفاضة فيها بهذا المقال)، ثم يتم التحضير للمؤتمر فى ظل أجواء غاية فى السرية والضبابية، وترسل إشارات إلى أن المؤتمر سوف ينعقد فى محافظة ما ثم يتم عقده فى محافظة أخرى فى آخر يوم! وهذا يجعلها أكثر انغلاقاً حتى من الصالون الثقافى بمفهومه التقليدي، لكن المشكلة الأكبر هى شعور الغالبية العظمى من الشباب بالاستبعاد والحذف العمدى من خانة الشباب لمجرد أنهم لم يتقدموا بقرابين تسمح لهم بالمشاركة بالرأى فى هذا النوع من "المناسبات" ولا أقول المؤتمرات..

 

المشكلة الأكبر هى شعور الغالبية العظمى من الشباب بالاستبعاد والحذف العمدى من خانة الشباب لمجرد أنهم لم يتقدموا بقرابين تسمح لهم بالمشاركة.

 

أكاد أستمع إلى البعض يقول: وهل من المعقول أن يتم دعوة كل شباب مصر فى المؤتمرات المذكورة؟! بالطبع لن يحدث هذا ولا يحدث فى أى مكان، لكن يجب أن تتمتع معايير الصلاحية للمشاركة بقدر عال من الشفافية والعدالة، وأن تسمح لكل شاب متميز وصاحب رأى ورؤية أن يساهم بهما لتحقيق النفع العام.

 

الدولة الضعيفة فقط هى التى تخشى الرأى المخالف، هى التى تنتقى المعارضة المناسبة وتستبعد المعارضة غير المرغوب فيها، الدولة القوية لا تخشى شيئاً، ولا تجد حرجاً فى الاعتراف بالأزمة ولو عن طريق جلد الذات، طالما أن الخروج من الأزمة هو الهدف الأسمى.

 

كى تنجح مؤتمرات الشباب يجب أن تكون آلية عقد المؤتمر والدعوة للمؤتمرين به محققة لأهدافه قبل كل شئ، ثم يتم توفير ماكينة عالية الكفاءة تعمل على مدار العام لتحويل منتجات هذا المؤتمر إلى واقع على الأرض، وترجمة الأفكار المطروحة المنتقاة إلى خطط قابلة للتقييم وإحراز التقدم المنشود.

 

كى تنجح مؤتمرات الشباب يجب أن تنشأ لها لجنة منظمة متخصصة تجمع العديد من الكفاءات فى مختلف التخصصات المتعلقة بإقامة المؤتمرات وتسويقها، فضلاً عن خبرات فى مجالات الموارد البشرية، والتنمية البشرية.. ومختلف التخصصات المطلوب تغطيتها بفعاليات المؤتمر. يجب أن تتمتع اللجنة وتشكيلها بالديناميكية، وأن تهتم بوضع وتطبيق معايير شفافة للمشاركة بالفعاليات، وتحديد الأجندة، وفتح موضوعاتها للحوار المجتمعى قبل عقد المؤتمر، للتأكد من التوفيق فى اختيار القضايا الهامة. يجب أن تتوافر قنوات للتواصل المجتمعى بين اللجنة المنظمة للمؤتمر وبين الشعب لتتحقق المشاركة المستحيلة لكل المواطنين ولو بشكل جزئى عبر قنوات التواصل الافتراضية.

 

المؤتمرات تفشل قبل أن تعقد جلساتها لو أنها حملت اسماً على غير مسمّى، لو أنها عقدت فى صورة صالون ثقافى شديد الانغلاق والتمييز، لو أنها حملت طابعاً سرياً وأحيطت بالضبابية وعنصر المفاجأة! المؤتمرات تفشل لو أنها فشلت فى جذب انتباه الفئات المعنية بالموضوع، لو أنها تسببت فى إشعار الكثيرين بأنهم عناصر غير مرغوب فيها، لو انها تحولت من مصانع للأمل إلى مفارخ لليأس والقنوط والشك فى الجدية فى الإصلاح.

 

كتبت فى نوفمبر الماضى مقالاً عن أهمية الجوانب التنظيمية فى مؤتمرات الشباب، حاولت من خلاله لفت الانتباه إلى تلك المشكلة، لكن أحداً لم يلتفت، واستمر المنظمون على سنتهم ولسان حالهم يقول: موتوا بغيظكم! فهل انتصرت تلك العبارة لأصحابها من قبل؟

 

ذكرت فى مقالى هذا أننى أرحب بكل دعوة هدفها إدماج الشباب فى العمل العام، والمشاركة الفعالة فى بحث أزمات الوطن والمواطن وكيفية الخروج منها وإدارتها، لكن بعض الدعوات قد تحمل شبهة الرغبة فى السيطرة على الشباب واحتوائهم فى حظائر فكرية، والبعض الآخر يعمل على إقصاء غالبية الشباب بدلا من إدماج بعضهم، نظرا لعدم عدالة فرص المشاركة. كذلك رحّبت بأى دعوة تعظّم من قيمة التنوع وتغتنم فرص الاختلاف، لكن بعض الدعوات تحرص على حصر المشاركة فى طيف واحد وفكر واحد ورأى واحد فلا تكون ثمة أهمية للحوار!

 

الدولة الضعيفة فقط هى التى تخشى الرأى المخالف، هى التى تنتقى المعارضة المناسبة وتستبعد المعارضة غير المرغوب فيها.

 


كذلك كتبت أنى شعرت بمعاناة الرئيس وهو يفتش بين أمواج الحضور عن وجه يعرف أن صاحبه يحمل فكراً معارضاً للتيار العام السائد فى أجواء مؤتمر نوفمبر حتى يستمع إليه ويناقشه وحسنا فعل، ولمست استمتاعه بخلاف نشب فى جلسة حول الإعلام وصفها البعض بأنها أفضل الجلسات على الإطلاق، فقط لأنها حملت صورة من صور التنوع والاختلاف.. هذه الاستثناءات كنت أؤثر أن تكون القاعدة لهذا الحوار، وكان من الممكن أن تصير كذلك لولا نمطية التعامل مع تنظيم هذا النوع من المؤتمرات منذ ما قبل نشأة التنظيم الطليعى وحتى يومنا هذا. وإذ نبدع فى إهدار الفرص كما تعودنا فلا بأس من التعلم من أخطائنا المتكررة، ربما أمكن تحاشيها فى المرات القادمة.

 

تزامنا مع مؤتمر شرم الشيخ الماضى كانت هناك دعوة «مفتوحة» لمؤتمر عالمى للشباب عقد فى نيودلهى بالهند من 12 إلى 14 نوفمبر 2016 تحت عنوان Youth for Sustainable Development  أى «شباب من أجل التنمية المستدامة». هذا العنوان وضع المشاركين بالمؤتمر فى مواجهة واشتباك مع القضية الأهم على مستوى العالم والتى اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عنوانا لاجتماعها عام 2015 ووضعت على أثرها أهداف التنمية المستدامة 2030 والتى حددت مصر رؤيتها القومية فى إطارها. مؤتمر نيودلهى أعلنت فيه معايير المشاركة بوضوح، الفئة العمرية المشاركة بين 18 و30 عاما، أن يكون الشباب مؤهلا للمشاركة فى الحوار والنقاش ولديه القدرة على صياغة أفكاره بشكل واضح ومفهوم، أن يعرف اللغة الإنجليزية، وأن يكون مدعوماً أو مرشحاً من قبل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدنى، مع إعطاء وزن أكبر للشباب المهمّش عند تصفية طلبات المشاركة. عملية فرز طلبات المشاركة أيضا تمت بعيداً عن الانحيازات السياسية أو العرقية.


الفرق بين مؤتمر عالمى وآخر محلى مفهوم، لكن الرسالة التى حملها المؤتمران واحدة، تتمثل فى تعظيم الاستفادة من الشباب ودمجهم فى محيطهم الفعّال. يجب أن يشارك الشباب فعلاً لا قولاً ولا دعاية فى رسم خارطة المستقبل، وأن تكون لهم الخيرة من أمرهم.

 

اعلان