العسكرة ليست الحل

العسكرة ليست الحل

عبدالفتاح ماضي

عبدالفتاح ماضي

08 فبراير 2017

 

للأسف يروج الإعلام الموجه أكاذيب في شأن علاقة العسكريين بالحكم، ويصدقها الكثير من الناس في ظل السيطرة الأمنية المحكمة على الفضائيات من جهة، وفي ظل تفتت المعارضين وافتقارهم لاستراتيجية سياسية جامعة وضعف صوتهم الإعلامي وانشغالهم بالتنافسات الحزبية أو الطموحات الشخصية من جهة أخرى! 

 

سأكتب اليوم عن أكذوبتين فقط.

 

يروج البعض أن العسكريين أقدر من غيرهم في حكم وإدارة الدول، وهذا أمر لا أساس له لأنه ليس هناك تجربة واحدة حكم فيها العسكريون واستطاعوا تحقيق الأمن والاستقرار.

 

يروج البعض أن العسكريين أقدر من غيرهم في حكم وإدارة الدول، وهذا أمر لا أساس له لأنه ليس هناك تجربة واحدة حكم فيها العسكريون واستطاعوا تحقيق الأمن والاستقرار، والرفاهية الاقتصادية، وحماية حريات الأفراد وحقوقهم.

 

والاستثناءات التي تروج هنا أو هناك لا يمكن مقارنتها بحالاتنا العربية. فقد نجحت حكومات عسكرية أو شبه عسكرية في إحداث نقلات نوعية وايجابية في بعض القطاعات في دول مثل تشيلي وكوريا الجنوبية وغيرهما من دول أمريكا اللاتينية، لكن هذه النقلات النوعية انتهت خلال فترة قصيرة إلى خروج أو إخراج العسكريين من السلطة لتستكمل الحكومات المدنية المنتخبة عمليات البناء، هذا فضلا عن أن تلك الحكومات العسكرية كانت لها رؤية وبرنامجا وقدرات على تحقيق تلك النقلات.

 

هذا لم يحدث في أي من دولنا العربية، لم نشهد أي نقلات نوعية في أي قطاع، بل وعلى العكس في سوريا مثلا استخدم النظام الجيش لقتل نحو نصف مليون إنسان، ومؤخرا تم الكشف عن عمليات شنق لأكثر من 13 ألف إنسان في سجن صيدنايا في دمشق.

 

أما في مصر فقد تم إجهاض الثورة والتمكين لخصومها ومحاربة من يحارب الفساد، وتم استخدام "خطاب الحرب على الإرهاب" لتصفية المعارضين وكل المنادين بمطالب ثورة يناير، واقترن هذا بفشل ذريع في الجانب الاقتصادي ما أدى إلى انهيار الجنيه وارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير. هذا بجانب الفشل في مواجهة العمليات المسلحة في سيناء، وفي معالجة ملفات حيوية مثل محاربة الفساد، وسد النهضة الأثيوبي، والسياحة، وغير ذلك. فضلا عن انعدام الرؤية والبرنامج والقدرات بشكل كامل.

 

يروج البعض أيضا لأكذوبة أخرى تقول أن العسكريين يتدخلون في السياسة في كل مكان، ويتم الترويج لهذا الأمر لتبرير سيطرة العسكريين ليس فقط على السلطة وإنما على قطاعات الدولة المدنية في التعليم والصحة والزراعة والري والصناعة والمحليات والسياحة والرياضة والصرف الصحي.

 

الحقيقة ليست بهذه البساطة، وهناك حالات ثلاث رئيسية على الأقل. الحالة الأولى تقوم العلاقة بين المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة والمؤسسات السياسية المنتخبة في الدولة الديمقراطية المعاصرة على أساس خضوع الأولى للثانية.

 

فالشعب، صاحب السيادة ومصدر السلطة، هو الذي ينتخب المؤسسات السياسية التي تقوم بدورها بإنشاء كافة مؤسسات وهيئات الدولة غير السياسية وغير المنتخبة، ومراقبتها، ومحاسبتها بطرق تختلف باختلاف طبيعة النظام السياسي ذاته.

 

وأبرز المؤسسات غير السياسية وغير المنتخبة هي المؤسسات العسكرية والأمنية والمخابراتية والمؤسسة القضائية وكافة الأجهزة الرقابية والجهاز الإداري للدولة.

وهذه الدول لم تصل إلى هذا الوضع إلا بعد مواجهة تحديات ضخمة وفي ظل تحول تاريخي ممتد استهدف إقامة نظم حكم ديمقراطية وإقامة جيوش قوية في نفس الوقت، ولم ينته هذا التحول فالنظم السياسية في تحول دائم لتحسين المؤسسات ومعالجة المشكلات، وذلك بحكم طبيعة هذه النظم وبحكم تغير السياقات. 

 

أي لا ينظر إلى هذا الوضع باللونين الأبيض والأسود، فالجيوش في كل دول العالم لها قدر من النفوذ تختلف بإختلاف النظم السياسية. لكن وبشكل عام كلما كان النظام السياسي مستقرا وكانت المؤسسات المدنية قوية وكان هناك خبراء مدنيين في الشؤون الأمنية والعسكرية، كلما كانت المؤسسات العسكرية أكثر خضوعا للسلطة المدنية المنتخبة وأكثر بعدا عن التدخل في السياسة. 

 

وهناك حالة ثانية هي حالات الدول ذات أنظمة الحكم القائمة على الحزب الواحد الشيوعي، حيث سيطرت الأحزاب الشمولية الحاكمة على الجيوش بدرجات وأشكال مختلفة كما حدث في الاتحاد السوفيتي في السابق، ويحدث الآن في الصين وكوريا الشمالية. وفي كل هذه الحالات عانت الشعوب من الهيمنة وقمع الحريات وانعدام العدالة أيضا.

 

أما الحالة الثالثة فهي حالة دول ما عرف بالعالم الثالث، فقد انتشرت ظاهرة الانقلابات العسكرية السافرة أو المستترة، ونشأت ظاهرة الحكومات العسكرية وتجاوز الجيوش لوظيفتها العسكرية إلى القيام بأدوار سياسية واقتصادية وأمنية.

 

وتتمثل الصفة الرئيسية لأي حكم عسكري، باختصار شديد، في تحكم مجموعة من العسكريين في مفاصل الدولة أمنيًا، وسياسيًا، واقتصاديًا إمّا بشكل مباشر، أو من وراء ستار، مع وجود واجهات شكلية (رئيس وبرلمان منتخبين لكن بصلاحيات مقيدة)، وضعف مبدأ حكم القانون ودولة المؤسسات وتدخل المؤسسات الأمنية في قطاعات المجتمع المدنية المختلفة.

 

وتحتكر هذه المجموعة أدوات القوة في المجتمع وتمارس الهيمنة على المجتمع حسب مفهومي “القوة”و”الهيمنة” التي تحدث عنهما كل من ماكس فيبر وأنطونيو غرامشي. وقد انتشرت في أمريكا اللاتينية ظاهرة الحكم العسكري أو حكم المؤسسات العسكرية أو المجالس العسكرية الجماعية. أما في بعض الدول العربية والآسيوية والأفريقية فقد كان الشكل الأكثر شيوعًا هو سيطرة فرد عسكري واحد، أو مجموعة من الجنرالات، على المشهد والإنفراد بالسلطة بعد تصفية رفقاء الطريق والمنافسين والمعارضين.

 

وعادة ما تحصل الحكومات العسكرية على دعم قوى خارجية، ولأمريكا على وجه الخصوص تاريخ طويل في دعم حكم العسكريين بشكل مباشر أو مستتر، بحجة إحتواء الشيوعية (كما حدث في أمريكا اللاتينية) أو ما يسمى حركات الاسلام السياسي والحركات الوطنية الأخرى (كما يحدث اليوم في العالمين العربي والإسلامي).

 

يروج البعض أيضا لأكذوبة أخرى تقول أن العسكريين يتدخلون في السياسة في كل مكان!

 

وبين هذه الحالات حالات تشهد عمليات تحول مختلفة من نظام لآخر. ومجتمعاتنا العربية تريد التحول من الحالة الثالثة إلى الحالة الأولى، وهذا لن يتم في يوم وليلة، ولن يتم بتدمير الجيوش وإعادة بنائها من الصفر، ولا بإعادة أدلجتها أو استخدامها في حسم الصراعات السياسية أو الايديولوجية. وهذا التحول يستهدف في الأساس تقوية المؤسسات الديمقراطية المدنية المنتخبة وحكم القانون والشفافية، وتحقيق الأمن والإستقرار، وتقوية الجيش وتعزيز قدراته وميزانياته في الوقت نفسه.

 

عملية التحول هذه عملية لها متطلباتها وشروطها واستراتيجياتها وآلياتها ومخاطرها، وهي ليست عملية تحول خطية ولا ينفع معها لا الإرتجال ولا العشوائية ولا إدعاء الحكمة ولا تجاوز سننها.

 

اعلان