إرهاب الشرفاء وصناعة الإرهاب

إرهاب الشرفاء وصناعة الإرهاب

عبدالفتاح ماضي

عبدالفتاح ماضي

26 يناير 2017

 

نقلت صفحة الباحث والصحفي البارز هشام جعفر المعتقل منذ أكتوبر 2015 تعليقا له على وضعه فيما يسمى “قائمة الإرهاب” جاء فيها:

 

“أنا إرهابي.. أرهب الطغاة بقوة الكلمة الصادقة. أرهب المستبدين بقوة الدفاع عن الديمقراطية. أرهب الظالمين بقوة العلم النافع (البحث العلمى المفيد للناس). أرهب البائعين للأوطان بقوة التمسك بترابه. أرهب مفتتى الشعوب بقوة الحوار وبناء السلم الأهلى.�أرهب المنافقين والمطلبين لهؤلاء جميعا بقوة الرأى الحر والمعلومة الدقيقة.

 

أنا إرهابى بالمعنى القرآنى الذى هو فعل إيجابى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به...) إلى آخر الآية. نرهب الطغاة والظالمين والمستبدين، وبائعى الأوطان ومفتتى الشعوب والمنافقين والمطبلين…".
 

صدقت يا هشام… ما ذكرته يُرهب من يصنع الإرهاب، لأنه يبني الوطن على أسس جُرّبت كثيرا وثبُتَ نجاحها مع شعوب أخرى.

 

صدقت يا هشام… ما ذكرته يُرهب من يصنع الإرهاب، لأنه يبني الوطن على أسس جُرّبت كثيرا وثبُتَ نجاحها مع شعوب أخرى، لكن يأبى خصوم ثورة 25 يناير في الداخل والخارج أن تصل إلى مصر، قلب العالمين العربي والإسلامي.
 

هؤلاء الخصوم يصنعون “الإرهاب” باتهامكم واتهام شرفاء هذا الوطن والمخلصين بتهمة “الإرهاب”، يصنعون الإرهاب بقتل المعارضين وتصفيتهم في الميادين وفي الشوارع وفي المعتقلات، وباعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء وبعمليات التعذيب والتنكيل المعتمدة على أمل أن يخرج منهم مئات فقط يرون أنه لا سبيل لخلاص الوطن من الاستبداد والفساد والتبعية إلا برفع السلاح ضد الحكومة وضد من يعمل معها من العسكريين والقضاة والإعلاميين وغيرهم.
 

يصنعون الإرهاب ببناء عشرات السجون الجديدة، وبعقد صفقات الأسلحة بمليارات الجنيهات دون أدنى شفافية. يصنعون الإرهاب بملاحقة الآلاف من الشرفاء قضائيا وبتسييس القضاء والزج به في عملية إجهاض الثورة حتى يفقد الناس ما تبقى من ثقة أو أمل في الحصول على الحقوق عبر المحاكم فلا يكون لهم إلا الثأر من الحكومة بالعنف.

 

يصنعون الإرهاب بهدم البيوت في سيناء وإخلاء المدن من أصحابها وترك سيناء كلها حكرا على النظام وروايته عما يدور فيها. يصنعون الإرهاب بعمليات غسيل المخ لقطاعات واسعة من المصريين عبر مجموعة من المنافقين من المذيعين والصحفيين وأساتذة الجامعات الذين باعوا ضمائرهم وشرفهم نظير عرض زائل.

 

القرار الأخير في ماكينة صناعة الإرهاب في مصر كان حُكم محكمة الجنايات المصرية الصادر في 12 يناير 2017، الذي وضع هشام جعفر وأكثر من 1500 مواطن على ما يسمى “قائمة الإرهابيين" جرّاء دعمهم المزعوم لـجماعة الإخوان المسلمين. من ضمن هؤلاء قيادات الجماعة وأهاليهم وعدد كبير من غير المنتمين لها منهم رئيس حزب قائم وباحثين وصحفيين وأساتذة جامعات ولاعب كرة القدم الخلوق محمد أبو تريكة. وعدد من الأسماء التي وضعت في القائمة لا يزال قيد المحاكمة أو في الحبس الاحتياطي على ذمة المحاكمة!
 

للأسف استخفاف جموع كبيرة من المصريين بكل خطوة يخطوها النظام نحو صناعة الإرهاب أمر مدمر لنا جميعا لأن كل خطوة من هذه الخطوات تتلوها خطوات أخرى مدمرة.
 

فالحكم الأخير يستند إلى ما يسمى "قانون رقم 8 لسنة 2015 في شأن تنظيم الكيانات الإرهابية والإرهابيين"، الصادر في فبراير 2015 والذي تلاه قانون آخر أسموه “مكافحة الإرهاب” وصدر في أغسطس عام 2015. هذان القانونان صدرا بقرارات رئاسية في غيبة البرلمان، ولا مثيل لهما في العالم، وكانا كفيلين بتحريك الناس وإفاقتهم.

 

هذه المنظومة القانونية لمكافحة الإرهاب اسما (وصناعته فعلا) تجيز للنائب العام مطالبة محاكم الجنايات بوضع أشخاص وكيانات على قائمة “للإرهابيين” لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد. وتوسع ما يمسى “قانون الكيانات الإرهابية” في تعريف “الكيان الإرهابي” حيث أورد تعريفا متسعا وفضفاضا، فالكيان “الإرهابي” يقصد به “الجمعيات أو المنظمات أو الجماعات أو العصابات أو الخلايا أو غيرها من التجمعات، أيا كان شكلها القانوني أو الواقعي، متى مارست أو كان الغرض منها الدعوة بأي وسيلة في داخل البلاد أو خارج البلاد إلى إيذاء الأفراد أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالمواد الطبيعية أو بالآثار أو بالاتصالات أو المواصلات البرية أو الجوية أو البحرية أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة السلطات العامة أو الجهات أو الهيئات القضائية أو مصالح الحكومة، أو الوحدات المحلية أو دور العبادة أو المستشفيات أو مؤسسات ومعاهد العلم، أو غيرها من المرافق العامة”.
 

يصنعون الإرهاب بقتل المعارضين وتصفيتهم في الميادين وفي الشوارع وفي المعتقلات، وباعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء وبعمليات التعذيب والتنكيل.

 

ويُجّرم ما يسمى “قانون الإرهاب” الأعمال التحضيرية حتى لو لم يتم تنفيذ العمل المجرم. كما يمنح مأمور الضبط القضائي سلطة القبض والتفتيش والاحتجاز لأي مواطن بدون حالة تلبس وللاشتباه فقط، ويجرّم نشر أخبار تخالف الروايات الرسمية للأحداث، ويتوسع في العقوبات لتشمل النفي والمنع من التنقل وحظر العمل في أماكن معينة وغير ذلك.

 

يعرف كل من يمتلك قدر محدود من المعرفة العامة أن هذه المنظومة القانونية تخرق كل الأعراف الدستورية والقانونية المستقرة، بل وتخرق أيضا الدستور الذي وُضع بعد الثورة المضادة، وتخرق أحكاما عدة صدرت عن "المحكمة الدستورية العليا”. هذا بجانب اختراقها القانون الدولي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
 

كل الانتهاكات التي تمارس ضد الشعب لمعاقبته على مطالبته المشروعة في ثورة يناير بالحرية والعدالة والكرامة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية حسب المنظمات الحقوقية، ولا تسقط بالتقادم، وهي تصنع الإرهاب ولا تعالجه.

 

اعلان