خلف كل قيصر يموت قيصر جديد

خلف كل قيصر يموت قيصر جديد

محمد حماد

محمد حماد

29 ديسمبر 2017

قضى في سدة الحكم 24 سنة ثم أطاحت به احتجاجات عارمة في سائر أنحاء البلاد أنهت حكمه بعد أن وصلت الملايين إلى القصر الرئاسي ودفعته للهروب مع زوجته، حتى تمكنت السلطات من العثور عليه واعتقاله، وخلال ساعتين تمت محاكمته وصدر الحكم بإعدامه هو وزوجته رمياً بالرصاص أمام عدسات المصورين وكاميرات التلفزيون، مداناً بتهم ارتكاب جرائم ضد الدولة، والإبادة الجماعية وتدمير اقتصاد البلاد.

 

في مثل هذا الأسبوع منذ 28 سنة كانت نهاية نيكولاي تشاوشيسكو طاغية رومانيا الذي حكمها بالحديد والنار وحجز لنفسه موقعاً متقدماً في الصف الأول ضمن قائمة أسوأ الديكتاتوريين في التاريخ المعاصر.

 

مثل كل الطغاة لم يكن يتوقع أو يتخيل أن تتم ازاحته من السلطة التي أمسك بها بين يديه بعد أن سيطر على كل أجهزة الدولة الأمنية وأغلق المجال العام إلا على أبواقه وتحكم في وسائل الإعلام، وامتلأت السجون بمعارضيه، وضجت البلاد بالمظالم وانتشر التعذيب الممنهج لكل من يجرأ على معارضة سياساته، وألقى بالآلاف منهم في السجون لسنوات طويلة دون توجيه أي اتهام لهم وبدون محاكمة، وكانت أجهزته الأمنية لا تتورع عن قتل المعارضين ودفنهم في أماكن غير معلومة.

 

كان مغروراً إلى الحد الذي لم يستطع أن يصدق أن الشعب الذي يحاصر قصره الرئاسي الفخيم يريد أن يخلعه من السلطة، كان قد صدق أقوال المنافقين فيه، هؤلاء الذين كانوا يصفونه بيوليوس قيصر والإسكندر الأكبر ومنقذ الشعب، وأن عصره هو العصر الذهبي وقالوا عنه أنه الشمس التي ترسل الدفء إلى ربوع رومانيا.

 

أسكت كل معارضيه وأطلق العنان للطبالين، لم يقبل أي انتقاد، وأقبل على كل المنافقين، حتى أصيب بجنون العظمة بصفته القائد العظيم ودانوب الفكر والمنار المضيء للإنسانية والعبقرية الذي يعرف كل شيء، ويتابع كل صغيرة وكبيرة في البلاد ويتخذ القرارات الكبرى.

 

وحين انفجرت في وجهه كل تلك المظالم التي وقعت في عصره عجز عن استيعاب ما يجري تحت بصره من احتجاجات عارمة، وكان حتى اللحظات الأخيرة يتصور أن وزير داخليته سوف يتولى الأمر وينهي التمرد، وحين وصلت جموع المتظاهرين إلى عرينه خرج إليهم ليخطب فيهم متوقعاً أن يقع تأثيره عليهم فينصرفون، ولكنه عجز عن استكمال خطبته، فأمر بقمع المظاهرات، ولم يحسب حساب أن تنضم بعض وحدات الجيش إلى مطالب الشعب، فانتهى الأمر بهروبه ثم اعتقاله وإعدامه بالرصاص.

 

النهاية طبيعية، مثل كل نهايات الطغاة، ولكن أحداً لا يتعظ، تذكرك بنهاية حسني مبارك في مصر وصدام حسين في العراق وبن علي في تونس وعلى عبد الله صالح في اليمن، وتبشر بنهاية كل السائرين على الدرب نفسه.

 

كلهم ارتبكوا في حق بلادهم ومواطنيهم الجرائم نفسها التي حوكم بها تشاوشيسكو، جرائمهم تمس دائماً أمن الدولة التي يحكمونها، وجرائم تمس أمان المواطنين المؤتمنين على حكمهم، وجرائم تمس اقتصاد البلد وتدمر قدراته على النهوض من جديد.

 

غالباً ما تأتي نهاية الطغاة على تلك الشاكلة، نهاية مأساوية، والأسوأ انهم يتركون بلادهم من بعدهم في حالة أكثر مأساوية، هكذا فعل طغاة العرب في العصر الحديث، ونظرة سريعة على أحوال بلدان العرب تكفي لكي نتعرف على المآسي التي تموج فيها وتهددها من كل حدب وصوب.

 

ما يشغلني في هذا الحديث أن الذين جلسوا على مقاعد الحكم من بعد الطغاة لم يتعظ واحد منهم بمصير الديكتاتور الذي سبقه، كأن على أعينهم غشاوة، أو كأن في قلوبهم زيغ التسلط يتحكم فيهم أكثر مما يتحكمون في مصائر شعوبهم.

 

كنت مع الرأي الذي قيل في أعقاب ثورة يناير أننا لابد أن نحفر على قصور الرئاسة التي تطهرت من الطغاة في أعقاب الثورات العربية جداريات تصور غضبة الشعب الذي خلع الطغاة، ليراها القابع في القصر في مجيئه ورواحه، لعله يتذكر إن نسي، أو أنساه شيطان التسلط ما جرى لمن سبقوه.

 

لم أكن أتصور أنهم ينسون بكل تلك السرعة، وأنهم لا يتعظون بكل هذا الجبروت، وما زلت أتساءل: كيف يتسنى لحاكم رأى كل تلك الملايين تهب في وجه الظلم أن يعاود سيرة سلفه، ويتبع سبيله حذو القذوة بالقذوة.

 

لم يتعظ كل ديكتاتور بنهاية الذين سبقوه، إلا أنهم جميعاً راحوا يحاولون تجنب نفس المصير، فزادت قبضتهم على السلطة، وارتفع منسوب مظالمهم حفاظاً عليها بين أيديهم، وأمعنوا في نفس الأساليب البالية في التحكم بمصير شعوبهم.

 

هي السلطة المطلقة أم الداء، وهو التسلط المزموم سبب هذا الوباء الذي استوطن بلاد العرب لا يريد أن يغادرها، ولا حل إلا باقتلاع كل أسباب التسلط، سواء في الفكر أم في المجتمع، في السياسة وفي الاقتصاد، في البيت وفي المدرسة، في الجامع وفي الكنيسة، نزعها جميعاً من كل مناحي الحياة.

 

بدون ذلك فلن يكون إلا أن يتتابع علينا الطغاة، يصرخون في وجوهنا: لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كلّ قيصر يموت: قيصر جديد، وخلف كلّ ثائر يموت: أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى.!

 

اعلان

اهم الاخبار