العملاقان محفوظ وهيكل ما يجمع بينهما أكثر مما يفرق

العملاقان محفوظ وهيكل ما يجمع بينهما أكثر مما يفرق

محمد حماد

محمد حماد

13 ديسمبر 2017

أول أمس مرت بنا ذكرى ميلاد نجيب محفوظ، وقبلها بثلاثة شهور مرت علينا ذكرى ميلاد محمد حسنين هيكل، عملاقان في الفكر والثقافة والأدب والصحافة والإبداع، جمعت بينهما مشتركات كثيرة، ولم تفرق بينهما خلافات متعددة.

 

صنع كل منهما نفسه، وبنى أسطورته الذاتية، الأول أديب في عالم الصحافة، والثاني صحفي في عالم الأدب عاش كلاهما إلى ما فوق التسعين، واحتفظا بذاكرتهما واعية، وبحضورهما طاغياً، وبقي تأثيرهما من بعد رحيلهما باقياً.

 

ولد الأول يوم 11 ديسمبر سنة 1911، وولد الثاني بعده باثنتي عشرة سنة، بالتحديد في يوم 23 سبتمبر سنة 1923، الأول يوم 11 سنة 11، والثاني يوم 23 سنة 23.

 

لم تكن فكرة الاحتفال بعيد الميلاد ضمن عادات نجيب محفوظ، وربما لم تكن ضمن ثقافة بيئته الشعبية، كما ملايين العائلات المصرية المتوسطة في تلك الفترة من القرن الماضي، ولم يسبق أن احتفلت عائلة محفوظ بعيد ميلاده، ولم يعرف ظاهرة الاحتفال بمولده إلا بعدما حصل على جائزة «نوبل»، حيث كانت فئات كثيرة تتجمع للاحتفال معه بيوم مولده، قبلها كان الاحتفال مقصوراً على أصدقائه ومريديه الذين كانوا يتجمعون في المقهى في يوم ميلاده أو في أقرب يوم له، ثم يقفون جميعاً ويغنون بشكل جماعي النشيد الوطني كأنهم في مناسبة وطنية.

 

أما هيكل فاحتفل بعيد ميلاد محفوظ مرتين: كانت الأولى في «الأهرام» في عام 1961، حين بلغ نجيب محفوظ الخمسين من عمره، ذهب صلاح جاهين إلى هيكل ليستأذن في تخصيص قاعة الأهرام الكبرى للاحتفال بعيد ميلاد نجيب، في ذلك الوقت لم يكن نجيب كاتباً في الأهرام، ولم يكن قد نشر شيئاً من أعماله فيها، إلا رواية «أولاد حارتنا» التي أثار نشرها آنذاك جدالاً واسعاً وصارت أزمة كبيرة.

 

التقط هيكل الفكرة من صلاح جاهين وقال له: «نحن أولى بأن نقيم هذا الاحتفال لنجيب محفوظ،» وكانت المرة الأولى، في الواقع الثقافي المصري، التي يقام فيها احتفال على مستوى رفيع حضرته «أم كلثوم»، وكانت هي المرة الأولى والأخيرة التي يتقابل فيها الأديب الكبير مع كوكب الشرق، وأعجب بشخصيتها جداً، حتى أنه أطلق اسمها على ابنته الكبرى، وضم الاحتفال الكبير كل شخص له قيمة في الواقع الثقافي والفني والصحافي، دعاهم جميعاً هيكل للاحتفال بنجيب محفوظ.

 

المرة الثانية كانت في سنة 2004 وفي عيد ميلاده الثالث والتسعين فاجأ هيكل الأديب الكبير بزيارته في منزله ليقول له: «كل سنة وأنت طيب يا نجيب».

 

لم يكن محفوظ يعرف مسبقاً بالزيارة، ولا كان يتوقعها، فلم يحدث ولا مرة أن زاره هيكل في بيته، ولا هو كان معتاداً على استقبال أحد في بيته في مثل هذه المناسبات، جاءته المفاجأة تسعى حتى باب بيته، وجد محمد حسنين هيكل أمامه بكامل أناقته وألق حضوره، بينما كان محفوظ يرتدي ملابس منزلية فوقها «الروب» فبادره بالقول ممتناً وشاكراً:

 

ـ «أنت أكرمتني مرتين، هذه المرة جمال المفاجأة جعل الفرح بها مضاعفاً، لا تتصور مدى سعادتي وفرحتي بهذه الزيارة الكريمة، والمفاجأة نفسها جعلت الفرحة فرحتين، بل آلاف الفرحات».

 

***

منذ البدايات الأولى أعطى هيكل نفسه ووقته وجهده من أجل الصحافة، وكان قرار محفوظ المبكر أن يهب نفسه وأدبه وفلسفته وتجربته لفن الرواية وحدها، فبرزا وتفوقا وأصبح كل منهما الماركة المسجلة للصحافة والرواية العربية، وإحدى أهم ماركاتها العالمية.

 

كانت روح الأدب تسكن قلم الصحفي الشاب في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، وظلت ملازمة له حتى آخر ما خطه على الأوراق، وهو أمر تظهره بوضوح كتبه ومقالاته على مدار سبعين سنة ظل يعمل خلالها بالصحافة، منذ البداية كان يعرف ماذا يريد بالضبط، وقد تعرف عليه الكاتب الروائي فتحي غانم في أواسط الأربعينيات، وكان  قد عُين في إدارة التحقيقات بوزارة المعارف، ومعه عبد الرحمن الشرقاوي، وأحمد بهاء الدين، وقتها كان هيكل محرراً شاباً في مجلة «آخر ساعة» يذهب إليهم للحصول على أخبار تحقيقات الإدارة لينشرها، وكان هيكل يردد دائماً ومبكراً جداً أن «الحاكم يحتاج لصحفي يعبر عنه»، وكان يقول بقناعة مطلقة: «وسأكون أنا هذا الصحفي»، وكان فتحي غانم يرد عليه بأن «الأدب أبقي من السياسة وأفضل»، ويضحك هيكل وهو يقول له: «خلاص، لك الصفحة الأخيرة، ولي الصفحة الأولي»، وكانت الصحف وقتها تنشر الأعمال الأدبية في صفحاتها الأخيرة، بينما تقتصر الصفحات الأولى على الأخبار والقصص السياسية.

 

هكذا ومبكراً جداً، كان هيكل يعي ما يريد، وكذلك فعل نجيب محفوظ الذي حسم انحيازه الى الأدب بعد فترة قصيرة من التردد بين الأدب والفلسفة التي كان سجل لدراسة الماجستير فيها، ولكنه قرر في النهاية أن يسلك «طريق الرواية» الذي لم يكن قد تم تعبيده بعد.

 

***

تجمع بين هيكل ومحفوظ أمور كثيرة وتفرقهما أمور أخرى متعددة.

 

أول ما يجمع بينهما أسلوب الحياة المنضبط، تلك العبقرية في أسلوب العمل والانضباط على نظام حياة كل شيء فيه يخضع للتنظيم الدقيق، وتلك القدرة الفريدة التي امتلكها كل منهما على تنظيم الوقت، التي تصل إلى حدود الصرامة، انطلاقاً من إدراك عميق بأن الزمن ثروة الإنسان الكبرى، لكل دقيقة أهميتها، ولكل ورقة أرشيفها.

 

كان كل منهما منظماً ودقيقاً، كساعة سويسرية، يعمل بدأب النحل، من حظ الصحافة والرواية أنهما وجدتا صحفياً وروائياً موهوبين، كرّس كل منهما حياته كلها للفن الذي يحبه ويتقنه، لم يشرك أي منهما مع فنه أي نوع آخر من العمل، حتى أصبح من الصعب أن تذكر الصحافة العربية من دون اسم محمد حسنين هيكل، أو أن تذكر الرواية العربية من دون اسم نجيب محفوظ.

 

***

صنع «نظام الحياة اليومي» المنضبط المناخ الملائم لإبداع كل منهما أن ينطلق، وكان سبباً مباشراً ومهما وراء أن يبقى كل منهما على أعلى قمة جبل العطاء والتألق، في الفكر السياسي والتاريخي والأدبي، الانضباط لم يكن فقط أهم خصائص شخصية كل من هيكل ومحفوظ، ولكنه كان هو السر وراء نجاحهما، ووراء الإنتاج الكبير الذي تركه كل منهما وراءه للأجيال المقبلة.

 

ظلّ هيكل طول عمره ينام عند الساعة العاشرة مساء، لم يخرج عن ذلك إلا في بعض الحالات النادرة عندما كان يمتد به السهر إلى الحادية عشرة. في أحد اجتماعات مجلس نقابة الصحافيين برئاسة النقيب السابق إبراهيم نافع، ظلّ نافع يطلب من المجتمعين اختصار الجلسة ليتمكنوا من حضور مجلس العزاء لأحد أقارب هيكل، وظل يذكرهم بأن الأستاذ هيكل لا يسهر، ولا بد من أن يكون في سريره عند العاشرة، حتى قال له أحد الأعضاء: هذا مأتم وظرف استثنائي، وأكيد الأستاذ هيكل سيراعي ذلك. فرد نافع عليه بتلقائية: «لو هو نفسه مات ها يكون في سريره كما تعود دائماً عند العاشرة».

 

أما محفوظ، فكان يمكنك أن تضبط ساعتك عليه، يقول الأديب الساخر محمد عفيفي: «يستطيع جيران محفوظ أن يضبطوا ساعاتهم على مواعيد نشاطاته المختلفة، مرة في الصباح لحظة خروجه من البيت لعمله الوظيفي، ومرة في المساء لحظة إطفاء النور في حجرة مكتبه. وهو لم يكن أحد أولئك الذين يجلسون للكتابة في أية لحظة، وإنما للكتابة، مثل صلاة الجمعة، لحظة معينة محددة، لا يجوز إلا بها، كذلك يستطيع الجيران، وهذا غريب بعض الشيء، أن يضبطوا ساعاتهم على اللحظة التي ينطفئ فيها النور في حجرة مكتبه، معلناً عن انتهائه من الكتابة. فنجيب يجب أن يكف عن الكتابة في اللحظة المحددة لذلك، مهما كانت لديه من أفكار جاهزة تلح عليه أن يدونها، وفي لحظة الكف هذه، يكف مهما كان من أمر تلك اللحظة، التي ربما حلت وقد انتهى من السياق، إلى حرف جر فيلقي القلم وينهض من دون أن يكتب المجرور».

 

كلام عفيفي عن محفوظ ليس من قبيل المبالغة، ولكنها حقيقة أكدها كثيرون ممن اقتربوا منه، فتنظيم الوقت والتخطيط لأكبر استفادة منه كانت موهبة كل من هيكل ومحفوظ، عوًّد كل منهما نفسه على السلوك شديد الانضباط، ويذكر «حرافيش» نجيب محفوظ وأصدقاؤه كيف أنه كان يبدأ جلسته معهم في موعد ثابت لا يتأخر ولا يتقدم، كذلك ينهيها في موعد محدد، ينظر إلى ساعته ويقول واقفاً: «يلا بينا»، فتنتهي الجلسة.

 

***

كلاهما ابن لأسرة متوسطة الحال، كان والد نجيب موظفاً، وكان والد محمد تاجر حبوب، وكان للأم دور كبير في حياة العملاقين، فقد كان نجيب آخر العنقود بعد تسع سنوات لم تنجب فيها أمه، ونشأ في ظل محبتها الفياضة، ولم يكن معه في البيت غير أبيه بعد زواج أخوته، وكانت أمه تجول به على المتاحف والآثار والكنائس والأديرة والمساجد والأضرحة وتأخذه معها في زيارات متكررة إلى الأهل في أحياء العاصمة، فرأى كثيراً من مناطق القاهرة، وتعلم منها حب الموسيقى، وعلمته أهم قيمة في حياته قيمة التسامح تلك التي ظلت لصيقة بشخصيته حتى اللحظة الأخيرة.

 

كانت أم هيكل هي الموجه الأساسي لمسار حياته، وساعدها في ذلك شقيقها سلام، وقد أصرت على تعليمه تعليماً نظامياً في مدرسة رسمية، ولم تكتف بحفظه للقرآن ومحو أميته الأبجدية، وغرست فيه بذور الطموح والالتزام والنظام، وعندما تخرج في مدرسة التجارة المتوسطة، بدأ حياته العملية والتحق بعمل بسيط، تعرف من خلاله إلى زميل قوي البنية، كان يهوى الصحافة، وهكذا انضمت المصادفة إلى الاجتهاد والطموح لتفتح طريق الشهرة والمجد للاسم الثلاثي الذي سيصير بعد سنوات أسطورة الصحافة العربية: محمد حسنين هيكل.

 

***

الاستقرار العائلي أحد الأمور التي جمعت بينهما، وأدى دوراً مهماً في حياة كل منهما، ما كان يوفر فرصة التفرغ التام للإبداع. كان البيت بالنسبة إليهما هو السكينة، لم يدخله أحد من الغرباء، هذا ما فعله هيكل. أما بيت محفوظ فظلّ سراً من الأسرار، حتى يوم الخميس 13 أكتوبر سنة ‏‏1988 يوم حصوله على «نوبل».

 

وجمعت أجواء القاهرة الفاطمية وحي الجمالية والحسين بين طفولة كل منهما، تربيا في شوارعها، فجمعت بينهما سمات المكان المسكون بعبق التاريخ، والزمان الذي تتصارع فيه قيم الأصالة مع محاولات التحديث.

 

وظل وجود «مسجد الحسين» القوي في وجدانهما حتى اللحظة الأخيرة، وكانت وصيتهما أن يشيعا من «الحسين»، فكانت لمحفوظ جنازتان، واحدة رسمية حضرها الرئيس حسني مبارك وخرجت من مسجد «آل رشدان» بضاحية مدينة نصر، والثانية شعبية انطلقت من حي الحسين بعدما انتهت الجنازة الأولى، كذلك فعل هيكل فأوصى أن يشيع من «الحسين» ومن دون وجود رسمي.

اعلان

اهم الاخبار