ملاحظات أولية على ترشح «الفريق» و«العقيد»

ملاحظات أولية على ترشح «الفريق» و«العقيد»

محمد حماد

محمد حماد

04 ديسمبر 2017

بعض الإعلاميين الذين يبنون دعاياتهم الفجة لمصلحة الحاكم يقيمون دعاياتهم على انتماءه للجيش المصري العظيم، الذي يضم خير أجناد الأرض، والذي هو على الحقيقة عمود الخيمة المصرية، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إن عارض معارض أي قرار لأي صاحب خلفية عسكرية، بل وذهب بعضهم إلى الاستهزاء بخيارات الشعب في انتخابات العام 2012 وهو يعايرهم وقد شاهدت بعيني واحداً من هؤلاء وهو يصرخ في المشاهدين: أنتم اللي جبتوه، أنتم اللي كنتم عايزين رئيس مدني، أنتم اللي انتخبتم العميل، واللي طلع جاسوس، ثم يختتم معايرته للشعب بالتساؤل: هل رأيتم من قبل أي رجل عسكري طلع جاسوس؟

 

كل عسكري عندهم هو الأفضل، وكل مدني متهم في وطنيته حتى يثبت العكس، ثم بين طرفة عين وانتباهتها سقط من أعينهم الرجل ذو الخلفية العسكرية الذي خاض حروباً وقاد القوات الجوية وعمل وزيراً للطيران وترأس وزراء مصر وكان مرشحاً قوياً في آخر انتخابات رئاسية حقيقية وكاد يفوز بها، سقط في امتحان الولاء والبراء، الولاء للرئيس الحاكم والبراء من فكرة الترشح أمامه في منافسة انتخابية.

 

سقط الرجل ذو الخلفية العسكرية في وحل الدعاية الرسمية على الشاشات وفوق صفحات الجرائد، وانفض من حوله حتى أولئك الذين ظلوا سنين طويلة يتمسحون فيه، ويطلبون وده ويحرصون على مودته.

 

عن نفسي لم أفاجأ بكل هذا الكم من السخام والركام الذي واجه به إعلام النظام فكرة ترشح الفريق أحمد شفيق، بل لعل المفاجأة الحقيقية هي أن يتصور شفيق نفسه أو يتصور أي عاقل في البلد أن يكون تعامل إعلام النظام مع فكرة الترشح في منافسة انتخابية أمام الرئيس الحاكم على غير ما جرت به الأمور مع كل واحد فكر ـ حتى ولو بينه وبين نفسه ـ في الترشح.

 

النظام وأهل الحكم، ومن ورائهم اعلام لا يصدر عنه إلا أصداء لما يطلب منه، واعلاميين هم مجرد أنفار في مقاولة تبييض وجه النظام، كلهم راحوا أكثر من مرة يلعبون على وتر تعديل الدستور أولاً من أجل مد الفترة الرئاسية الحالية إلى ست سنوات، ثم كانت خطتهم البديلة تتمثل في إظهار الأوضاع في مصر على صورة لا تسمح بإجراء انتخابات رئاسية من الأساس.

 

واضح جداً لكل ذي عينين أن النظام لا يرغب في الدخول إلى الانتخابات في ظل التراجع الحاد في شعبية الرئيس، خاصة مع التصاعد اليومي في سوء الأحوال المعيشية التي يرزح تحتها غالبية الشعب المصري، وإن أجبرته الظروف والملابسات على الدخول إلى الانتخابات فهو يريدها صورية، والأفضل أن تكون على صورة الاستفتاءات السابقة حيث النتيجة مشمولة بضمان كمبيوتر الداخلية.

 

هنا يكمن السبب الحقيقي وراء هذه الهيستريا الاعلامية التي صاحبت إعلان الفريق شفيق عن نيته في الترشح، أنه باغتهم بإمكانية تحويل الانتخابات إلى منافسة حقيقية، تلك هي القضية، وهذه هي جريمته، وهي جريمة كل أحد يتطاول على المقام الرفيع فيرشح نفسه في مواجهته.

 

لم تنفعه الخلفية حين جرؤ على الإعلان عن نيته الترشح أمام الرئيس الحاكم، ولم تشفع له سنين عمره التي قضاها في الجيش حتى وصل إلى رتبة الفريق ثالث أكبر الرتب العسكرية، وخطؤه هو نفس خطأ بعض المدنيين إذ يتجاسرون على الترشح من دون خلفية، وربما جريمته ـ عند هؤلاء ـ أشد خطراً من هؤلاء المدنيين المتطلعين إلى كرسي لم يخلق لهم ولا هم خلقوا لشغله أو حتى التفكير في الوصول إليه.

 

ولأن مصائب النظام لا تأتي فرادى فقد جاءت مصيبة إقدام الفريق شفيق على الترشح مواكب لإعلان العقيد أحمد قنصوه رغبته في الترشح بدوره، فإذا نحن أمام مرشحين كلاهما ذو خلفية عسكرية، أحدهما وصل إلى رتبة الفريق وغادر القوات المسلحة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وآخر وصل إلى رتبة العقيد والأهم أنه لا يزال ضابطاً عاملاً بالقوات المسلحة.

 

مصيبة النظام معروفة ومفهومة ولا يكاد يخطئ في النظر إليها أحد، ولكن مصيبة القوى المدنية فرغم أنها معروفة إلا أنها غير مفهومة، فقد قضوا الشهور التسعة الأخيرة وهم يتباحثون في التوافق حول اسم يجمعون حوله قدراتهم، وبديل يطرح الحد الأدنى المتوافق عليه بين برامجهم، ولكن حتى اليوم لم يظهر لتوافقهم دخان أبيض، ولا بانت لهم إشارة، ولا ظهرت منهم علامة واحدة على إمكانية الاتفاق.

 

بل إن بعضهم تسلل إلى معسكر الفريق شفيق يستطلع إمكانية التنسيق، أو يلح ويدفع إلى الترشيح، وبقيت الأطراف الأخرى محلك سر لا يتحركون إلا داخل أحذيتهم.

 

على هذه الأرضية جرى استقبال خبري الترشح من الفريق شفيق أو من العقيد قنصوه، فراحت السلطة وأبواقها تقذف حممها، وراحت القوى المدنية والمنتميين إلى اعلامها البديل في السوشيال ميديا يتراشقون بالتنابز ويتبادلون الاتهامات ويخلطون في الأوراق.

 

الأسوأ في كل ذلك هو هذا الخلط الذي راح البعض يمارسه بحسن نية أو بسوء تدبير بين مرحلتين واحدة تختص بالموقف من الترشح والأخرى تختص بالموقف في التصويت، فذهب بهم خلطهم للأمور إلى القول برفض أي مرشح عسكري للانتخابات الرئاسية، متناسيين أنهم بالأساس قوي ديمقراطية تدافع وتكافح من أجل ديمقراطية تطال الجميع وتشمل الكل، فراحوا يمارسون ديكتاتورية مقنعة تحت عنوان رفض المرشحين ذوي الخلفية العسكرية.

 

لم يقروا بحق جميع المواطنين بدون أي تفريق أو تمييز في الترشح لرئاسة الجمهورية ولكافة المناصب والمواقع التي يجري عليها انتخابات تنافسية طبقا لدستور البلاد، وتماهوا بموقفهم هذا مع موقف الحاكم الذي يعارضونه، فرفضوا حق الذين يختلفون معهم في الترشيح بدعوى أنهم عسكريين، أو أنهم يشتركون في تمثيلية لمصلحة الحاكم، وهو أمر لم تثبته أية وقائع حتى اليوم.

 

أزمة النظام اللاديمقراطي أنه لا يرى له بديلاً، وأنه يسعى طول الوقت في نفي أي بديل أو تقليص دوره وتحجيم تأثيره، وأزمة المعارضة أن كل مكون من مكوناتها لا يرى له بديلاً، ويرى في نفسه البديل الأنسب للمرحلة وكل مرحلة، ويسعى إلى تشويه كل المكونات الأخرى في صفوف المعارضة.

 

وأسوأ ما في هذا الخلط في صفوف المعارضة أن بعض أطرافها يبني مواقفه على تحليلات ساذجة، ثبتت سذاجتها من قبل بدل المرة مرتان وثلاث مرات، يذهب بهم ضعفهم وقلة حليتهم إلى حلفاء غير طبيعيين، حلفاء للحظة واحدة سرعان ما ينقضي بعدها التحالف وينقلب إلى عداوة أشرس، لا يخسر منها غير تلك الأطراف المدنية مجتمعة.

 

أبسط المواقف وأصحها وأسلمها هي المواقف المبدئية، والموقف المبدئي في نظري هو الذي يفرق بين الموقف من الترشح والموقف من المرشح، فمن ناحية يجب أن يكون حق الترشح مصاناً لمن تنطبق عليه المواصفات وتتوفر فيه الشروط الدستورية، ومن ناحية أخرى يجب ألا تلدغ القوى المدنية من نفس الجحر أكثر من مرتين.

 

هذا من حيث المبدأ أما من حيث الموقف السياسي فلا شك أن ترشح الفريق ومن بعده العقيد سوف يساعد في فتح المجال العام المغلق بالضبة والمفتاح، وهو لا شك خرق في الجدار الاسمنتي الشاهق الذي بنته دعاية النظام ليحفظه من أي شبه منافسة حقيقية على كرسي الرئاسة.

 

الملاحظة الأهم في سياق هذا الحديث أن القوى المدنية وهي في قمة تأثيرها في أعقاب ثورة 25 يناير، ولا حتى وهي في قمة تحالفها مع النظام في 30 يونيو لم تستطع أن تحقق بعضاً من أهدافها، وتم التلاعب بها واللعب على تشرذمها وتفرقها وسعيها إلى المكاسب الوقتية، فكيف الحال اليوم وهي ترسف في هذا الضعف وتتخبط في ظل هذا الانقسام.

 

الملاحظة الأخيرة في هذا السياق أن الفريق شفيق يحاول أن يركب موجة السخط الشعبي العام على سياسات النظام، ليصل به إلى دكة الحكم ليعبر عن المصالح التي مثلها نظام مبارك خاصة في سنواته الأخيرة، وهو يعرف أن له ميزة تفضيلية عن غيره من المرشحين المحتلمين من جانب القوى المدنية، يبقى أن تجد ثورة يناير ممثلاً لها يخوض باسمها الانتخابات ويستطيع أن يجمع شتات القوى المدنية ويحفظ لها الحد الأدنى ـ على الأقل ـ من التأثير في مجريات الأحداث بدلاُ من أن تظل هكذا على الهامش وخارج المتن من دون أي تأثير يذكر.

 

 

 

اعلان

اهم الاخبار