عملية خطف لبنان إلى أين؟

عملية خطف لبنان إلى أين؟

محمد حماد

محمد حماد

15 نوفمبر 2017

لبنان اليوم ـ وليس سعد الحريري ـ هو المختطف، وقع أسيراً لدى الساعين إلى حجز المكان اللائق بهم وسط إعادة ترسيم خرائط النفوذ في الشرق الوسط الجديد، ولعله صار ساحة لتصفية حسابات بعض القوى الإقليمية خاصة تلك التي ترى أنها خرجت خاسرة من المعركة حول سوريا، والسعودية على رأس هؤلاء تحاول أن تستعيد بعض النقاط التي خسرتها، أو على الأقل تحافظ على ما بين يديها من أوراق متبقية.

 

لبنان بطبيعة تركيبته السكانية الموزعة على طوائف ومذاهب، منذ تكوينه وهو مسرح للنفوذ الأجنبي من كل حدب وصوب، بلد متعدد الطوائف ومتعدد النفوذ الخارجي، لكل طائفة مرجعية وراعٍ رسمي ورعاة من خلف الأستار.

ولقد أنتجت الانقسامات الداخلية (سواء كانت سياسية أو عقائدية أو اجتماعية) نزوعاً طبيعياً إلى البحث عن الحماية من الخارج، فجلبت تلك الانقسامات مصادر شتى للنفوذ الأجنبي على أرضه.

 

ويتراشق ـ رغم ذلك ـ كل طرف مع الأطراف الأخرى ناعياً عليها أنها تستعين بالخارج في مواجهة الداخل، لا أحد مبرأ من التهمة التي يشنع بها على الآخر، كلهم في همّ اللجوء الى الخارج سواء.

 

السعودية التي تنعي على إيران تدخلها في الشأن اللبناني الداخلي عن طريق تبنيها لشيعة لبنان وخاصة حزب الله، تفعل ذلك وهي تستدعي رئيس الوزراء اللبناني السني ليقدم على أرضها ومن عاصمتها استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية، ولا ترى في ذلك الأمر، ولا يرى حلفاؤها في لبنان، أي تناقض أو حتى شبهة حياء من الموقف غير المسبوق في تاريخ لبنان السياسي.

 

إيران لا تنكر تدخلها في العراق وسوريا ولبنان وحتى في اليمن، ويعض قادتها يصرحون بذلك علناً وفي تصريحات رسمية، بينما السعودية التي صرفت المليارات من الدولارات دعماً لتنظيمات ومنظمات شتى سعت لتدمير الدولة السورية ومع ذلك تنكر تدخلها في شئون الآخرين الداخلية.!

 

على جانب آخر تخوض المملكة منذ سنوات حرباً ضروساً في اليمن تعثرت فيه خطواتها ووجدت نفسها أمام طريق لا تبدو نهايته قريبة أو سعيدة.

 

وهي أيضاً التي قادت محور مقاطعة قطر ومعاقبتها، وهي البلد العضو في مجلس التعاون الخليجي، باتهامات شاركت السعودية في ارتكابها حسب اعترافات المسئولين في قطر، خاصة في سوريا التي تصوروها "صيدة" فأفلتت منهم، واستطاعت أن تهرب من المخططات التي كانت تستهدف أن توقعها في المصيدة.

 

لا شك أن السعودية ـ كما إيران ـ دولة كبيرة في المنطقة، ولكل منهما مصالحها، كما أن لتركيا وإسرائيل مخططاتهم ومصالحهم في المنطقة، وقد كانت السياسة السعودية تتحلى دائماً بالقدرة على تجنب المشاكل والنأي عن النزاعات والابتعاد عن الدخول علناً في صراعات إقليمية ملتهبة، ولكنها بدت عبر السنوات الأخيرة وقد نفضت عنها ميراثها القديم، وشرعت في أن تخط لها طريقاً عكسياً مع السياسة القديمة، وبدا ذلك واضحاً خاصة مع بدء مشروع خلافة الأمير محمد بن سلمان لوالده على عرش المملكة.

 

المشكلة الأولى في السياسة السعودية المستجدة أنها أدخلتها في أتون صراعات داخلية وصراعات إقليمية في الوقت نفسه، ويبدو أنها مدفوعة إلى هذا الترابط أو مندفعة إليه بسبب هذا الترابط، فصراعات الداخل خاصة حول الخلافة المرتقبة دفعت بها إلى مغامرات في الخارج، ثم عادت تلك المغامرات بعدما فشلت في تحقيق أي انجاز يذكر لكي تفرض عليها أن تندفع في تسريع عملية حسم الصراع في الداخل.

 

المشكلة الأخطر في تلك السياسة المستجدة أنها تتبع أسلوباً جديداً وغير مألوف في الصراعات داخل الإقليم، وأخطر ما فيها انها دائماً ما تبدأ خطوتها الأولى من الحد الأقصى، ولذلك تتراجع خطواتها اللاحقة، لأنها تبدأ من نقطة التصعيد الحاد فليس أمامها من بعد غير التراجع، أو محاولة الخروج من ذروة المأزق الذي وضعت نفسها بنفسها فيه.

 

الأزمة مع قطر مثال على تلك السياسة التي بدأت من ذروة التصعيد، والتعامل الخشن مع دولة خليجية كان أميرها في ضيافة المملكة قبل الأزمة بأسبوع واحد مشاركاً في قمة الحزم التي اجتمعت لها خمسون دولة في حضور الرئيس الأمريكي.

 

في اليمن كذلك كان يمكن أن يكون هناك فسحة من الوقت تُمنح للعمل السياسي والدبلوماسي بمشاركة عربية ودولية تضمن للسعودية أمنها وتوفر لها مصالحها، وتحفظ على اليمن أمنه واستقراره وتبعد اليمنيين عن مقصلة الموت التي قصفت عشرات الألوف من أرواحهم وتركت اليمن خارج أي سيطرة، وربما خارج التاريخ نفسه.

 

استقالة الرئيس سعد الحريري تقدم نموذجاً آخر من السياسة نفسها التي ابتدعتها السعودية مؤخراً، فمن دون أي مقدمات ظاهرة، وبدون أي مؤشرات دالة على وجود أزمة في الداخل اللبناني، بل ربما العكس هو الصحيح، حيث بدت الأوضاع في العاصمة اللبنانية مستمرة على الوتيرة نفسها بين القوى السياسية فيه، بين شد وجذب، وبين خلاف واتفاق، في إطار التسوية التي أجراها الحريري نفسه مراعياً فيها الظروف الداخلية فإذا به يُستدعى على وجه السرعة ليقدم استقالته من الرياض لا من بيروت، وبعبارات وتوجهات ونفس لا يمكن أن يكون لبنانياً.

 

هذه السياسة المرتجلة والمتسرعة دفعت الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يحتفظ بأفضل العلاقات مع القيادة السعودية إلى الإعلان عن موقف مصري مغاير للنهج الذي تندفع المملكة إليه، مؤكداً أمام الجميع على أن المنطقة مضطربة بما فيه الكفاية وليست في حاجة إلى المزيد من الأزمات قدر احتياجها الملح إلى التهدئة، لا إلى الدخول في مغامرات جديدة.

 

سيبقى لبنان مخطوفاً حتى بعد عودة سعد الحريري من الرياض إلى بيروت، وسيبقى مشدوداً على حبل التجاذبات الإقليمية، حتى تستقر الأوضاع المتفجرة في المنطقة، أو يندفع البعض إلى مغامرات جديدة لن يستقر بعدها حجر فوق حجر في بلدان كثيرة بالمنطقة، ولن تكون السعودية نفسها بمنأى عن هذا المآل المؤسف.

اعلان

اهم الاخبار