النظام يُعرف من أبواقه

النظام يُعرف من أبواقه

محمد حماد

محمد حماد

06 نوفمبر 2017

كل نظام له أبواق تتحدث باسمه، وتعبر عنه، والأبواق أنواع: منها الجيد، وأكثرها من النوع الرديء، والقارئ المتمرس يعرفهم بسيماهم، تجمعهم عصا السلطان، ويفرقهم ذهبه، ويظهر من غبائهم ما يسعى النظام لأن يخفيه، وهم بغشومية معتادة يتحولون رويداً إلى أبواق صماء، تتكلم بما لا تعي، ويعلو صوتها كالخوار حتى يتوهم السامع أن تحت الصوت كلام، وما هو بالكلام، ولكن شُبِّه لهم.

 

القارئ العادي يعرف بدون أدنى جهد أن ما تكتبه تلك الأبواق أو ما يزعقون به على الشاشات يدخل في باب الردح، أو هو أقرب إلى حديث الشوارع منه إلى حديث الجرائد، وأقرب إلى قعدات الشلت منه إلى برامج الفضائيات.

 

تتصور تلك الأبواق أن الأقلام والإعلام لا مهمة لهما غير التطبيل للنظام عشرة بلدي، ولا شرف لها غير أن ترقص على «التت»، كل أمانيهم تنحصر في أن يطرب الحكام من أقلامهم ومن سحنتهم على الشاشات، اعتادوا هز الوسط لأصحاب المعروف، يزمرون على زمر النظام الصاخب، ويرقصون على إيقاعاته النشاز، ويطالبون الجميع بأن يفعلوا فعلهم حتى تتساوى كل الرؤوس: رؤوس لا تنحني لغير ربها، وأخرى اعتادت السكنى تحت الأقدام.

 

بعض تلك الأبواق يفهم أن تزييف الوقائع هو الرسالة التي تقوم عليها الصحف السيارة، والصحف الواقفة مثل صحفهم «البايرة»، لا يعرفون غير الكذب تجارة رابحة تتداول عملات زائفة لا قيمة لها، ومثل هؤلاء لا يتوقعون أن ترصد الجرائد ما يجري في المجتمع على حقيقته، فالجريدة ـ في عرفهم ـ مهمتها ليست رصد الوقائع، ولا ذكر الحقيقة، كل ما يهمهم ويشغل بالهم هو تمرير الكذب الحكومي، ولا يخطر ببال أحدهم أن تكون مهمة الصحفي قول الحقيقة كما هي، بل يرى أكثرهم مهمة الصحفي المقدسة هي أن يتغنى بإنجازاتٍ للحاكم لا وجود لها على أرض الواقع.

 

والصحفي الشاطر في عُرف هؤلاء هو الصحفي الذي يخترع للحكومة انجازاً لم تسمع هي عنه، ولا هي فكرت فيه، ولا خطر على قلب وزير فيها، ولا مسئول عنها، وشعارهم: اكتب واشكر، واكذب ثم اكذب ربما يصدقك الناس، وأغلى أمانيهم: رضا أهل الحكم، يتطلعون إلى نظرة عطف ممن بيده السلطان.

 

بعض تلك الأبواق تُنَصِّب نفسها حارسة على كل قلم، ومطاردة كل صاحب فكر، وأدمنت تقديم البلاغات في الذين يخرجون على الظلم شاهرين أقلامهم، فالكتابة عند هؤلاء تقوم على قاعدة: اربط القلم حيث يريد صاحبه، أي الحاكم الحالي.

 

هم أبواق للحاكم الحالي وللحاكم المحتمل، ضماناً للسير في الركب الحكومي أينما سار، ويحلون معه حيث يحل، يرون في كبت أصوات المعارضة ديمقراطية تفوق ديمقراطية بريطانيا العظمى، ويقدمون الغلاء الحكومي باعتباره مكتوباً على الجبين فلابد أن تراه العين، ويرون حالة الطوارئ هي الحال الوحيدة التي تنفع مع أمثالنا من الشعوب.

 

يؤاخذون بعض الأقلام لأنها لا تعرف إلا ذكر الحقائق كما هي، ويكذبون حتى على أنفسهم، يدافعون عن فرض حالة الطوارئ كأنها واجب وطني مقدس، والبطالة في عرفهم تعبير عن كسل الشعب وليست تعبيراً عن خيبة الحكومة، الفساد ربهم، والفاسدين قدوتهم، والموت في سبيل رضا الحاكم أغلى أمانيهم.

 

وكما أن الجواب يعرف من عنوانه فإن النظام يعرف من أبواقه، فأبواق أي نظام تأتي دائماً على مقاسه، أو هي في الحقيقة تكون على شاكلته، تشابهت قلوبهم.

 

وأبواق هذا العصر فاقوا أبواق كل العصور، لا كفاءة لهم، ولا يتمتع واحد فيهم بقبول، ولا يحظون بأي قدر من المصداقية، يتقنون فن التنقل بين أيدي الحكام بخفة يحسدون عليها، معايبهم معروفة، وأرشيفهم يفضحهم، وتاريخهم شاهد عليهم لا لهم، يتهمون المعارضين بما هو فيهم، مَثَلٌهم كمثل التي تتهمك بما فيها من عهر، وما تعودته من وضاعة، حتى تواري سوءتها التي اعتادت أن تعريها على رؤوس الأشهاد.

 

ما يميز جوقة أبواق هذا العصر عن سوابقها ليس فقط أنها تفوقت على كل الأبواق في درجة النفاق والشطط في التأييد عمّال على بطّال، وفي الباطل قبل الحق، أعطاهم النظام مساحة الاعلام كله من دون شريك، فحجب المواقع الصحفية، ومنع الأصوات المخالفة، وطرد الأصوات المستقلة من شاشات التلفزة، وقيد حرية الرأي وجعلها في حدودها الدنيا، وأطلق أبواقه وحدها في الساحة من دون منافس، فراحت تنافس نفسها في الهزال الإعلامي والهزل المهني، وتفوقت على نفسها في اسقاط كل قيم ومفاهيم وثوابت المواثيق الإعلامية والقواعد المهنية والأسس التي يقوم عليها أي اعلام سواء كان حكومياً أم خاصا.

 

كانت الأبواق فيما سبق مقصورة على الأصوات الحكومية في وسائل الاعلام المسماة بالقومية أما هذا العصر فقد استطاع بمجموعة من الضربات المنتظمة والمتصاعدة أن تكون أصواته الرئيسية في الاعلام الخاص «المؤمم» قبل الحكومي وفوقه.

 

أبواق ما بعد ربيه الشعوب القصير تزعجهم الكتابات التي تهاجم أخطاء الحكام، أو تلك التي تبشر بصحوة المحكومين، فالنظام عندهم كائن مقدس كعجل بني إسرائيل لا يجوز المساس به، وصحوة الشارع ترعبهم، لأنها تبشرهم بأن زمنهم يمكن أن يولي، وتنذرهم بأن أيامهم قاربت على الأفول.

اعلان

اهم الاخبار