"عشان تبنيها".. لا صوت يعلو فوق أصوات المبايعة

محمد حماد

محمد حماد

30 أكتوبر 2017

لا صوت سيعلو فوق صوت المبايعة حتى الاستفتاء على الرئيس، المسمى بإعادة انتخاب الرئيس، ولن يسمع الشعب صوتاً غير أصوات المبايعين بالملايين تعلو من المحافظات، محافظة إثر أخرى، وجماعة بعد أخرى، وتحيا مصر وعاشت كل فئات الشعب المبايع.

 

لا صوت يعلو فوق صوت المبايعين حتى إزالة آثار كل هذا الركام من الحديث عن تلك الإنجازات غير المسبوقة، وتلك القرارات التاريخية التي لم يجرؤ على اتخاذها رئيس من قبل، وتلك التركة الثقيلة التي ورثها الرئيس خاصة تركة السنوات الثلاث التي سبقت انتخابه، والتي يعتبرها مناصروه ودعاة إعادة انتخابه أسوأ ما مر بمصر.

 

ستسكت كل الأصوات ليرتفع صوت المبايعات والحملات المليونية لتجديد ولاية الرئيس لمرة ثانية قابلة للتكرار لمرات قادمة ما دام الرئيس على قيد الحياة، وهو سلو بلدنا، وهي أهم قاعدة من قواعد نظامنا السياسي القائم على تأبيد الحاكم وتمديد الحكم سواء جاء التأبيد عبر مواد الدستور أو عبر حملات المبايعة التي تنتظر إشارة البدء في كل مرة لكي تنطلق لا تلوي على شيء غير استمرار الحاكم على دكة الحكم إلى ما شاء الله له أن يبقى بيننا.

 

سيكون هناك أعداد بالملايين توقع على استمارات قد تصل ـ في حالة حسابها بدقة ـ إلى أكثر من تعداد مصر، سيخرج ممثل عن الفلاحين يتحدث بملء شدقيه عن رغبة الأربعين مليوناً من الفلاحين في مبايعة الرئيس، وسيخرج ممثل عن العمال ليقول إن الحركة العمالية بملايينها التي تزيد عن ثلاثين مليون تجمع على أن مصر ليس لها اليوم غير اختيار الرئيس وتجديد ولايته لمرة ثانية وثالثة ورابعة إن أمكن، وسيكتشف المراقبون لموجة المبايعات أن تعداد مصر فاق التعداد الأخير وصار 150 مليوناً بدلاً من المائة وأربعة ملايين الواردة في التعداد.!

 

هذا هو الفارق الحقيقي لو دققنا بين أسلوب المبايعة المتفق مع قيم شعبنا وحضارته وأسلوب الانتخابات المستوردة من الخارج، فالمبايعة تحسب الصوت المبايع بصوت ونصف، وأحياناً بصوتين، مما يزيد البركة في الشعب المبايع، أما الانتخابات فهي لا تحسب الصوت الانتخابي إلا بعدد المصوتين، وهو نزع للبركة لا يفهمه أصحاب النظريات المستوردة.

 

ولأن المبايعة تتفق مع تراثنا وحضارتنا فهي تحسب الأصوات كلها لصالح التجديد للرئيس شاملة أصوات المعارضين، وهذا فارق رئيسي بينها وبين الانتخابات، فالمبايعة تجمع ولا تفرق، وتساوى بين المواطنين، المؤيد منهم والمعارض، كلهم في لحظة التجديد سواء، وكلنا في ظل الدستور مؤيد، أما الانتخابات فلا تعرف إلا حساب المؤيدين، وحساب المعارضين، وحساب الممتنعين، وحساب الأصوات الباطلة، ما يجعلها أقرب إلى وجع الدماغ منها إلى وسيلة لمعرفة رأى الشعب وحكمته التي لا تتجلى إلا ساعة التجديد للرئيس.

 

أكثر ما يجعل المبايعة هي الأسلوب الأنسب لنا خاصة في هذا المنعطف التاريخي الذي تمر به بلادنا، أن المبايعة تنبع من الداخل، في حين أن الانتخابات لا تقوم لها قائمة إلا بضغوط تأتى من الخارج، ونحن بحمد الله وتوفيقه لا نخضع أبداً لأي املاءات تأتي من الخارج، خاصة تلك الاملاءات التي تتعلق بما يسميه الغرب الكافر الجاحد بالديمقراطية وحقوق الانسان ومثل هذا الكلام العبيط.

 

ليست هذه فقط بعض مميزات المبايعة، بل لن نبالغ إذا قلنا إن أهم ميزاتها أنها لا تكلف الدولة والشعب بالتبعية غير أن تنطلق حناجر رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين والفنانين والرياضيين وسائر فئات الشعب العامل بالإعلان عن مبايعة الجميع في الوزارات وفى المحافظات وفى المصالح الحكومية وغير الحكومية، في حين أن أسلوباً مثل الانتخابات يكلفنا جميعا دولة وشعباً مصاريف الأوراق والصناديق واللجان الانتخابية، غير مصاريف الإشراف القضائي، وكلها مصروفات زائدة على الحاجة في دولة تبحث عن الرفاه لعموم مواطنيها ولا تصرف أي مليم إلا لتحقيق هذا الهدف النبيل.

 

لا يجوز لأحد خاصة من المعارضين أن ينتقد حملات التأييد والتجديد التي يتدافع إليها الموقعون من كل حدب وصوب في أنحاء الجمهورية، أو يتحجج بالقول إن تلك الحملات تختصر الشعب في شخص واحد، ورأى واحد، وصوت واحد، هو صوت التجديد للرئيس، مثل هؤلاء يتعامون عن رؤية ميزة المبايعة الحقيقية التي تجعل الكل في واحد: شعب واحد، ورئيس واحد لمدى الحياة، ما يسهل على بلادنا أن تتعامل مع المتغيرات والتطورات التي تجتاح العالم، ومصر كلها على قلب رجل واحد لا يتغير، مهما كانت الظروف، ومهما تعالت أصوات الأراذل تقول: كفاية.

أما الذين ينظرون بعيون الحقد على الحملات المطالبة للرئيس بالترشح، أو تلك المطالبة بزيادة المدة الرئاسية إلى ست سنوات، أو تلك المطالبة بفتح المدد الرئاسية بلا حدود، ويتشدق هؤلاء بأن أسلوب المبايعات قد ولى زمانه، وأنه يخلق شعباً بلا رأى، وينسيهم حقدهم أنها تجلب رئيساً هو صاحب الرأي، يعرف حقائق الأمور، ويربط بين الموضوعات وهو أمر لا يتسنى لغيره من المواطنين.

 

وينسى المعارضون الأراذل الذين هم على الحقيقة مجموعات من الخونة والمرتزقة والممولين من الخارج، حقيقة أن المبايعة وإن نزعت من الشعب كل السلطات، إلا أنها تضع كل السلطة في يد الرئيس المبايع من الشعب.

 

ولا يصح، وسط الظروف العصيبة التي تمر بها منطقتنا وبلادنا أن يتحجج البعض بأن المبايعة ومن بعدها الانتخابات تجرى في ظل حكم الطوارئ لأن مثل هذا الوضع هو في الحقيقة تعبير عن قدرة تحمل الشعب المصري التي لا يماري فيها إلا المشككون، فهو يبايع رغم الطوارئ، ما يدل على صدق معدن هذا الشعب الأصيل.

 

ومن عبط البعض أن يتصور أن الرئيس الذي يأتي بالمبايعة يمكن له أن يترك الحكم بالانتخابات، أو يكتفي بالمدد الرئاسية المنصوص عليها في الدستور حتى تاريخه، ذلك أن فترات الولاية الرئاسية مثلها مثل العدد الذي هو في الليمون، لا آخر لها، ولا يمكن حسابها بمثل ما يحسب به الناس أعمارهم من السنين حتى لو طالت إلى 30 سنة أو حتى 50 سنة فهي لا تساوى شيئاً في أعمار الشعوب، خاصة إذا كان الشعب مثل شعبنا، أو كان الرؤساء مثل رؤسائنا.

 

مثل هؤلاء الرؤساء لا تدخل كلمة إرادة الشعب في قاموسهم، بل هي من الكلمات المحذوفة من المقررات الرئاسية، وإذا قلت لرئيس من هؤلاء على مر العصور ماذا تكره، فلن ينازع كرهه الشديد شيء مثلما يكره الحديث السمج عن إرادة الشعب.

 

مثل هؤلاء الرؤساء لا يعتبر الحديث عن إرادة الشعب سماجة وفقط، بل يعتبره تطاولاً على مقامه الرفيع، وعلى علمه الواسع، وعادة ما يسأل مثل هؤلاء الرؤساء: وهل يريد الشعب غير ما أريد، وهل يعرف الشعب أكثر منى ماذا يريد، حتى يريد لنفسه غير ما أريد له أنا بعلمي ما لا يعلمون هم ولا آباؤهم الأولون؟

 

المسألة قديمة في مصر، حتى لا نظلم أحداً فنقصرها على حكام اليوم، فقد قال فرعون للمصريين زمان "ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

 

يكره الرؤساء من هذه العينة أي كلام عن السياسة وخاصة إذا جاء من أمثال الذين يصرخون الآن في الشوارع ملء حناجرهم: كفاية صب في مصلحة الشعب.

 

اعلان

اهم الاخبار