للسادات وجوه كثيرة

للسادات وجوه كثيرة

محمد حماد

محمد حماد

22 أكتوبر 2017

 

الرئيسان جمال عبد الناصر وأنور السادات حكما مصر لمدة أقل من المدة التي حكمها الرئيس حسني مبارك، 24 سنة هي مجموع مدتي حكمهما، وثلاثون سنة هي مدة حكم مبارك، ومنذ ثلاث سنوات تلاحظ حضور أنور السادات في جمهورية الرئيس عبد الفتاح السيسي بأكثر من حضور سلفه وخلفه، حضور بالاسم والسيرة والسياسة إضافة إلى حضور مميز للسيدة جيهان السادات في ذكرى نصر أكتوبر سنة 1973 وفي غيرها من المناسبات.

 

من المفهوم أن يتم الاحتفاء والاحتفال بذكرى السادات مع الاحتفالات بالسادس من أكتوبر 1973 فهو صاحب قرار العبور، ثم شاء القدر أن تتواكب ذكرى النصر مع ذكرى اغتيال السادات، صاحب المسيرة الحافلة بالمتناقضات الكثيرة التي تتميز بها سيرة وشخصية أنور السادات.

 

وللحق فإن للسادات وجوه كثيرة.

 

 كان هو الوحيد بين قادة ثورة 23 يوليو 1952، الذي كانت له سابقة أعمال سياسية عرفها الناس على نطاق واسع تسببت في فصله من القوات المسلحة وهو برتبة «النقيب»، بتهمة اتصاله باثنين من الجواسيس الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية وإلى اعتقاله، ثم هربه من المعتقل هو وزميله الطيار حسن عزت، ليشتركا في العمل - باسمين مستعارين - بالمقاولات، ثم يتواصل مع تنظيم من المدنيين الذي يقومون بعمليات اغتيال لجنود الاحتلال البريطاني، فيغير السادات اتجاه التنظيم إلى القيام بعمليات اغتيال للساسة المصريين الذين يتعاملون مع الاحتلال، ويشارك في تنفيذ عملية اغتيال أمين عثمان، ليبقى سجيناً على ذمة المحاكمة ثلاث سنوات، ويغادر السجن ليعمل في شركة للنقل البحري، قبل أن يعود إلى الجيش وتتم مساواته بزملائه، فيحصل على رتبة  «العقيد»، ويصبح واحدًا من أواخر الذين انضموا إلى قيادة تنظيم الضباط الأحرار.

 

جاء متأخراً عن موعد الثورة، وقيل في ذلك أسباب وروايات كثيرة، فلم تكن له مهمة محددة ليلة الثورة غير قطع الاتصالات عن القيادة، فلما تأخر عنها لم يجد قادة الثورة غيره لكي يلقي بصوته من الإذاعة بيان الثورة الأول، بالإضافة إلى أنهم رأوا فيه صاحب صوت مميز، وكان الأكثر شهرة ومعرفة لدى الرأي العام.

 

ثم كان هو أول أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين ظهرت صورهم في الصحف مع اللواء محمد نجيب الزعيم الواجهة للثورة، ومع ذلك فقد ظل السادات الأقل حظًا بين زملائه حين تحولت الثورة إلى سلطة واستقرت الأمور لقادتها.

 

تولى جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة، مناصب ومواقع مؤثرة في السلطة التنفيذية، وبقي هو مبعداً عن تولى حقائب حكومية، باستثناء فترة قصيرة عين خلالها «وزيرًا للدولة» بلا وزارة ولا اختصاصات، وكان أهم نشاطاته في تلك الفترة هو عضويته بمحكمة الثورة، التي حاكمت رموز العهد السابق على الثورة، ومن بعدها عضويته بمحكمة الشعب التي حاكمت الإخوان المسلمين بعد محاولتهم اغتيال عبد الناصر عام 1954.

 

أحد أوجه السادات التي ظهرت مبكراً حتى قبل قيام الثورة هو رغبته الجامحة في العمل بالصحافة، فشغل بعد الثورة رئاسة مجلس إدارة «دار التحرير» التي أنشأتها الثورة لكي تعبر عنها وكان له في بلاط صاحبة الجلالة قصص تروى.

 

وبعد مرور خمس سنوات على الثورة فاتحه عبد الناصر في تولي رئاسة مجلس الأمة أول مجلس نيابي يتشكل بعد الثورة، فاعتذر بعد أن علم أن عبد اللطيف البغدادي الرجل القوي في قيادة الثورة أبدى رغبته في تولي المنصب، وقبل السادات أن يكون وكيلاً للمجلس تحت رئاسة البغدادي، وهو الموقع الذي انطلق منه لكي يتولى رئاسة مجلس الأمة في الفترة ما بين عامي 1964 و1969 حتى عينه عبد الناصر نائبا لرئيس الجمهورية.

 

كان الانطباع السائد لدى المحيطين بالدائرة الحاكمة أن السادات لا يريد أن يصدع رأسه بتولي المناصب التنفيذية، لأنه لا جلد له على العمل، ولا يعنيه من السلطة، إلا ما تضفيه على شاغلها من مكانة اجتماعية وحياة مريحة.

 

 هذا انطباع روجه السادات بنفسه عن نفسه في فترة مبكرة، وعبر عن ضيقه بالصراعات داخل مجلس قيادة الثورة، واقترح أن يتنازل أعضاء المجلس عن سلطتهم لجمال عبد الناصر، على أن يستشير من يختارهم منهم في الموضوعات التي يرى استشارتهم فيها، ولما لم يجد سنداً لاقتراحه أعلنها صريحة أنه يتنازل عن صوته لعبد الناصر، وقال قولته الشهيرة: صوتي في جيب عبد الناصر، وامتنع عن حضور جلسات المجلس.

 

أدرك السادات مبكراً قانون السلطة، فعاش على هوامش خريطة سلطة 23 يوليو، دون أن يضعه أحد من بين المنافسين في حسابه، وكان الوحيد من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي لم يعين نائبًا لرئيس الجمهورية، أو رئيسًا للوزراء وتولى آخرون من أعضاء الصف الثاني والثالث مناصب رفيعة في الحكم، بينما ظل هو يتولى مواقع هامشية وغير مؤثرة، وبدا أنه سعيد بموقعه في الظل وحريص عليه.

 

بعد هزيمة يونيو سنة 1967، اختفي كثير من رجال الصف الأول، ولم يجد عبد الناصر حوله من زملاء الماضي خاصة بعد انتحار عبد الحكيم عامر غير أنور السادات، فتوثقت العلاقات بينهما، وفوجئ الجميع باختياره نائبًا وحيدًا لرئيس الجمهورية.

 

بعدها رحل عبد الناصر، ولم يكن السادات هو أقوى المرشحين لخلافته، وكان كثير من المتواجدين عند قمة السلطة وقتها يرى كل واحد منهم أحقيته في الخلافة، وكان الانطباع السائد حتى خارج محيط السلطة لدى الرأي العام أن السادات ضعيف الشخصية، ولن يقدر على تحمل مسئولية خلافة رجل بحجم وقيمة وزعامة جمال عبد الناصر، وأذكر أن واحداً في قيمة وقامة نجيب محفوظ كان لديه مثل هذا الانطباع، وقد قال مرة : "رغم أن السادات كان هو الوحيد من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي كنا نعرفه نتيجة اشتراكه في النشاط السياسي قبل الثورة، ولدوره في قضية مقتل أمين عثمان إلا أن منزلته في نفوسنا كانت متدهورة، وكنا نعتبر السادات في آخر الصف من قيادات الثورة خاصة أن دوره ظل لسنوات طويلة شرفياً ليس مقارنة بعبد الناصر فقط، بل وحتى بالنظر إلى الأدوار التي أداها رجال مثل عبد الحكيم عامر، أو زكريا محي الدين، أو عبد اللطيف البغدادي، أو كمال الدين حسين، وغيرهم من أعضاء مجلس قيادة الثورة، بدا السادات لنا كأنه العضو "المركون" أو "الاحتياطي" خاصة وأنه لم يتول منصباً مؤثراً طيلة عصر عبد الناصر، ولذلك لم أتصور أبداً أن يكون هو خليفة عبد الناصر، ولما حدث ذلك بالفعل اعتبرت المسألة في غاية السخرية والسخف".

 

لم يكن هناك وجه للمقارنة بين عبد الناصر والسادات، وبدت الفروق بينهما هائلة، وذلك على عكس الوضع بالنسبة لسعد زغلول وخليفته مصطفى النحاس، وصدق رجال المقدمة في حينه التظاهر المزمن للسادات بأنه عازف عن السلطة وزاهد فيها، ورأوا أنه غير مؤهل للقيام بتبعاتها، فتحمسوا له، ظناً منهم أنه سيكون مجرد صورة أو واجهة يمارسون من خلفها السلطة كلها، وبعد سبعة أشهر، أطاح السادات بهم جميعًا، وزج بهم في السجون وانفرد بالسلطة وحده من دون شريك مشاكس ومن دون منافس يتطلع إلى بين يديه من سلطات مطلقة.

 

سار السادات على خط عبد الناصر ولكن بممحاة، كما قالت النكتة الشهيرة التي راجت في زمنه، وأخذ مصر إلى الطريق العكسي الذي سارت فيه عبر السنوات الثمانية عشر التي سبقت جلوسه على عرشها كآخر الفراعنة الكبار كما كان يحلو أن يصف نفسه.

 

لا يمكن لمقال واحد أن يستوعب وجوه السادات المتعددة، لكن واحداً من وجوه السادات الكثيرة هو وجه الممثل، الذي ظل لصيقاً به حتى لحظة رحيله، وبدا طول الوقت وكأنه يمثل على خشبة الحياة أدواراً يتقنها، ولست أذكر متى ولا أين قرأت ما رواه بعضهم عما جرى في بدايات الثورة حين فكر الطيار حسن عزت في أن يعود إلى عمله في القوات المسلحة، وقد كان رفيق نضال أنور السادات قبل الثورة، وشجعه السادات على ذلك مثنيًا على المزايا التي يتمتع بها صاحبه وعلى دوره الوطني، وبعد عودته إلى صفوف الجيش لم يمر وقت طويل حتى تقدم حسن عزت بطلب إلى عبد الناصر أن يعينه قائدًا لسلاح الطيران، وعرض عبد الناصر الأمر على أعضاء مجلس قيادة الثورة، فلم يمانع منهم أحد إلا السادات الذي تحدث للمجلس عن السلبيات الكثيرة في شخصية حسن عزت وأكد لهم ـ من واقع تجربته معه ـ أنه غير أهل للثقة، فعدل المجلس عن اختياره لهذا المنصب.

 

وبالطبع علم حسن عزت أن صديقه هو الوحيد الذي اعترض على ترشيحه، فذهب إليه مستنكراً ليسأله: ألم تقل لي إنني صاحب تاريخ نضالي ووطني كفء، وإن الثورة لا تستغنى عن أمثالي؟، فقال له السادات بهدوء وبرود: أيوه قلت لك، فعاد حسن عزت يسأله: طيب ليه قلت عكس كده قدام مجلس قيادة الثورة؟، فرد عليه بالبرود نفسه: أنت عارف يا «أبو علي» يا حبيبي إن الحياة تمثيل في تمثيل.

اعلان

اهم الاخبار