محمد السيد سعيد النبيل الذي لا يُنسى

محمد السيد سعيد النبيل الذي لا يُنسى

محمد حماد

محمد حماد

15 أكتوبر 2017

قريباً من مسجد عمر مكرم، جلسنا مجموعة من الأصدقاء والزملاء بينهم صحفيون وكتاب وأدباء وشعراء وطلاب جامعيون في إحدى مساءات ميدان التحرير في مفتتح العام 2011، طرأت في ذهني فكرة طرحتها عليهم في صيغة سؤال: أي الراحلين عن دنيانا ممن حلموا بيوم تقوم فيه قيامة الشعب، هؤلاء الذين قضوا قبل أن يروا حلمهم وقد تحقق على الأرض، كُنتَم تتمنون لو أنهم يشاركوننا هذه المشاعر التي غمرتنا في فرحة انتصار إرادة التغيير؟

 

كنا ساعتها في غمرة الأماني وفي قلب العنفوان الجماهيري، تعددت الإجابات على سؤالي، وذُكرت أسماء كثيرة على رأسها الدكتور عبد الوهاب المسيري، وأستاذنا محمد عودة، وكوكبة من شباب مصر الذين قطفوا قرص الشمس هدية لمصر ورحلوا، وتذكرت ساعتها المفكر اليساري الراحل محمد السيد سعيد، واستعدنا معاً موقفه النبيل في مواجهة جور السلطان الذي سقط من فوق عرشه.

 

في واحدة من تلك اللقاءات الروتينية سابقة التجهيز، وفي حضور عدد كبير من مثقفي مصر ضمن اللقاءات المسماة بالفكرية مع رئيس الجمهورية وقف محمد السيد سعيد ليعلن رأيه بوضوح وصراحة وبعبارات مدققة ومتدفقة في أحوال مصر، وتكهربت أجواء الجلسة، ولم يثن ذلك محمد السيد سعيد عن أن يعطي مبارك ورقة تتضمن مشروعاً مقترحاً للإصلاح السياسي وضع فيه خلاصة خبرته في الفكر السياسي وتجربته في العمل الأهلي، الأمر الذي استقبله مبارك بكل تعالي وغطرسة السلطة مع  رجل اختلف معه بكل أدب، وأدى واجبه نحو بلده وقناعاته بكل احترام، وقال ساخراً منه أمام الجميع «الورقة دي تحطها في جيبك»، ومرة أخرى تكهرب الجو، وتدخل بعض مساعدي مبارك وسط ذهول المتحلقين حول الرئيس لكى يأخذوا ورقة محمد السيد سعيد منه منعاً لمزيد من الإحراج.

 

***

لم أر نفساً غنية كل هذا الغنى كنفس محمد السيد سعيد، ولم أعرف يسارياً على الحقيقة كما كان محمد السيد سعيد، ولم أصادف أحداً يملك القدرة والرغبة في احترام الآخر كما كان يفعل محمد السيد سعيد، ولم يسعدني الحظ بلقاء رجل صادق مع نفسه كما كان محمد السيد سعيد، لذلك فمثله يخلف رحيلُه في القلب غصة، لا تترك لنا فرجة للدمع فنستريح.

 

هو الآن محمد السيد سعيد وكفى، خلع عن نفسه ألقاب الدكتور والمفكر والسياسي والمحلل الاستراتيجي ورحل، خلع عن كاهله دنيانا بكل شرورها، ورحل نبيلاً كما كان، فارق كل شيء التصق باسمه، وبقيت صفته الأساس، وبقيت سيرته تؤكد أنه كان هنا إنسان بالمعنى الكبير للكلمة، رحل وبقي منه الإنسان الذي تركه متربعاً في قلوب محبيه وعارفي فضله، ترك وراءه عذابات الدنيا، ونفض عن نفسه أوجاع المرض، وانعتقت روحه الصافية من معاقل ومآسي الواقع المؤلم الذي حلم طويلاً بتغييره، رحل ولم يفقد حتى لحظة الرحيل ذلك الأمل الكبير في إمكانية التغيير، حدثنا في اللقاء الأخير على مقهى بزاوية منسية عن إمكانية صنع جبهة للتغيير تجمع حتى قوى النظام الراغبة والقادرة على إنقاذ البلد.

 

على نفس المقهى كنت تقابلت مع الراحل جوزيف سماحة، وحين نظرت إلى وجه محمد السيد سعيد وهو يتحدث بجماع قلبه معنا، تذكرت فجأة جوزيف سماحة، كأن شيئاً ما يربط بينهما عندي، كلاهما يساري على طريقته، وكلاهما مؤمن حتى النخاع بقيمة ودور الإنسان، وكلاهما هادئ الطباع، مميز حد الفرادة في مجاله، وكلاهما لم يغره ذهب المعز ولو كثر، ولم يخش سطوته ولو تجبرت.

 

تحسب محمد السيد سعيد يسارياً فتفاجئك ليبراليته، وإذا حسبته ليبرالياً فسوف تجده على يسارهم جميعاً، صادق مع نفسه كما لن تجد بين اليساريين مثيله، وصادق مع قناعاته كما لن تجد بين الليبراليين شبيهه، كان ابناً باراً لقناعاته، وأباً رحيماً مع قناعات المخالفين له، هادئ النفس، لين الجانب، مقبلاً على الآخرين إقبال المتفهم والمحب مهما اختلفوا معه، باحثاً عن الحقيقة كأنه متيم بها، مُقدِّراً للحق الذي مع الآخرين، تماماً كما يقدر الحق الذي بين يديه، يحرص على ما يجمع بين الناس، كان آخر لقاء جمعنا يفتش معنا عن إجابة سؤال طرحه بعمق، كيف السبيل إلى إقامة جبهة إنقاذ تضم مكونات الحركة الوطنية المصرية بما فيها أطرافها من الإسلام السياسي وتلك المندرجة في النظام، كان لا يزال يأمل في إمكانية تأجيج التغيير من الداخل.

 

لم يسعفني حظي لأقترب منه على المستوى الإنساني، وإن سعدت بلقاءات فكرية مطولة مع أفكاره، وكان قادراً على إعادة صياغة الأفكار بطريقة رائقة، وما من مرة تكلم فيها أمامي إلا وشدتني طريقته المميزة في التعبير عن أفكاره، وقدرته الفذة على الإقناع بتلك الأفكار.

 

وكنت أقول: يعيش بيننا اليوم واحد من كبار منتجي الأفكار، فقد كان يرحمه الله مثقفاً مهموماً بالمعرفة بذاتها، لذلك لم تحده أسوار الماركسية، تخطاها وعرف أنها لم تعد صالحة للاستخدام المعرفي، وكان يغني أي حديث ينضم إليه، وكان يرفع مستوى أي نقاش يشارك فيه، كأن له لمسة سحرية تفعل فعلها في قلوب وعقول مستمعيه، هو صاحب الفكرة النيرة، وهو صحاب العبارة الدقيقة، وهو صاحب التدافع في الأفكار كأنما يوحى إليه.

 

كان وجوده على شاشات التلفزة كمحلل استراتيجي يكشف زيف من يحملون الاسم ولا يحملون القدرة، وكان وجوده بين المتحلقين حول صندوق أموال حقوق الإنسان يكشف زيف ادعاءات الكثيرين منهم، وكان وجوده اليومي الفاعل يكشف زيف المتقاعسين عن الفعل الحقيقي.

 

رحل محمد السيد سعيد في مثل هذه الأيام كما ترحل الأشياء الجميلة سريعاً، رحل كما ترحل أغنيات الفلاحين في المساء، وغاب كما تغيب أسراب السنونو، مخلفة نغماً حزيناً يملأ أرجاء السماء.

 

رحم الله الفارس النبيل محمد السيد سعيد المفكر الوطني الذي عاش مهموماً بتقدم بلده، والحقوقي البارز الذي ظل على الدوام يرى الأمور بشكلها الواضع ويضع المسئولية على الجاني الحقيقي ولا يلوم الضحية، والمصري الأصيل الذي شخص الداء الذي يعاني منه وطنه حيث الفساد والاستبداد وغياب الحريات هي المفرخة الحقيقية للإرهاب ولكل السوءات التي يعاني منها الوطن.

اعلان

اهم الاخبار