أم كلثوم وطبيب الفلاسفة!

أم كلثوم وطبيب الفلاسفة!

سليمان الحكيم

سليمان الحكيم

17 ديسمبر 2017

 

يتفنن المصريون في إطلاق النكات ليستعينوا بها على تجاوز واقعهم المر، فخلف كل نكتة يطلقونها يوجد حاكم ظالم أو حالة تستوجب الاستهزاء والسخرية للإقلال من شأنها وتهوينها لتصبح في مستوى قدرتهم على الاحتمال.

 

وكلما تفاقمت حالات الظلم ازدادت قدرتهم على التنكيت والسخرية. ولأن عصرا من عصورهم المتعاقبة لم يخل من وجود من نسميهم بظرفاء العصر، فإن عصرا من تلك العصور لم يخل من وجود الظلم والاستبداد، حتى أصبحت النكتة جزءا من تاريخ المصرين كأداة من أدوات المقاومة والصمود.

 

ولهذا كان طبيعيا أن تكون أم كلثوم شخصية مصرية ليس فقط لتفردها في الغناء، بل لتفردها في إطلاق النكات والقفشات ببديهة أسرع مما تميز به ظرفاء عصرها. وقد جاءها ذات يوم من يشكو لها همه بأن ابنا له نجح في الثانوية العامة بمجموع كبير ويريد أن يلتحق بكلية الهندسة ليصبح مهندسا، بينما والدته تريده أن يلتحق بكلية الطب ليصبح طبيبا، أما أصدقاؤه فنصحوه بأن يلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ليصبح سفيرا أو وزيرا، ووقف الأب حائرا إزاء كل هذه الرغبات طالبا النصيحة من أم كلثوم، التي أسرعت بالرد عليه قائلة "دخله الكلية الحربية علشان يطلع كل دول"!

 

لم تكن أم كلثوم قد لحقت ولم تشهد عصر "طبيب الفلاسفة وفيلسوف الأطباء" الذي يلجأ اليه عظماء العالم طلبا للنصيحة، فربما كان هذا الشخص هو ابن ذلك الرجل الذي جاء لأم كلثوم ليطلب نصيحتها وقد عمل بها بالفعل فالحق ابنه بالكلية الحربية ليصبح ضابطا وطبيبا وفيلسوفا بل وحاكما!

 

لم يدور في خلد أم كلثوم ولم يخطر لها على بال أن هذا الحاكم الطبيب والفيلسوف خريج الكلية الحربية، سوف يستأثر وحده بهذه الميزات التي توفرها له هذه الكلية ويحرم منها غيره من خريجيها، فيحولهم إلى باعة زيت وسكر ومربي عجول ودجاج وأسماك ومقاولي أنفار وموظفي جباية ومحصلي فواتير كهرباء ومياه وغاز ليتخلوا عن أحلامهم في أن يصبحوا أطباء ومهندسين وقادة.

 

لم تخطئ أم كلثوم في تصورها الذي استقته بذكاء من قراءة حصيفة لواقعها المعاش. ولكن الخطأ جاء ممن أعطي لنفسه الحق في التلاعب بأحلام الناس والانحراف بها بعيدا عن الهدف.

 

لقد تذكرت ذلك كله وأنا أقرأ في قائمة الاتهامات التي وجهتها جهات التحقيق العسكري للعقيد أحمد قنصوة الذي تجرأ ورفض تربية الأسماك والعجول ليرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية القادمة، فإذا بي أجد من بين تلك الاتهامات الظهور بالزي العسكري في غير الغرض المخصص له، فهل كان باعة الزيت والسكر واللحوم. وقادة خطوط الجمبري والبلطي الذين ظهروا أمام الجميع بكامل زيهم العسكري، وقد ظهروا به في الغرض المخصص له، هل درس هؤلاء في الكلية الحربية فنون الحرب والقتال أم درسوا فنون البيع والشراء وتربية المواشي والأسماك والدجاج، وهل تشرفوا بارتداء هذا الزي ليظهروا به في ميادين القتال أم في سوق السمك والبيض؟

 

هل يصدر حكم بإدانة العقيد أحمد قنصوة لأنه تمرد على واقعه ورفض إهانة شرف العسكرية وأراد رد الاعتبار لها بدلا من إدانة واجبة وعاجلة لمن أهان ذلك الشرف العسكري وتاريخ العسكرية المجيد؟

اعلان

اهم الاخبار