النيل

النيل "ما جاشي"

سليمان الحكيم

سليمان الحكيم

17 نوفمبر 2017

 

ما من مطرب أو مطربة في مصر إلا وغنى للنيل، معترفا بكثرة أفضاله على البلاد والعباد، معددا مآثره ومحصيا خيراته، حتى أن أم كلثوم وعلى لسان بيرم التونسي قالت "أنا وحبيبي يا نيل نشبهك في صفاك". ولكن عبد الوهاب كان هو الأسبق في الالتفات إلى النيل فوصفه على لسان أحمد شوقي بأنه "نجاشي حليوة أسمر". والنجاشي هو لقب ملوك الحبشة الأقدمين، وهو ما يعني أن شوقي قد وصف النيل بأنه أحد ملوك الحبشة.

 

هكذا كان النيل هو الأوفر حظا في اهتمام المصريين شعراء ومطربين ورسامين. ولم ينافسه شيء في ذلك. ولكن النيل الذي حظي من كل هؤلاء بالاهتمام، كان قليل الحظ لدى رئيس مصر الحالي ونظامه، فترك أمره لإثيوبيا لتقرر مصيره على أرضنا، فأصبح مهددا بوقف مسيرته المعتادة منذ آلاف السنين نحو الشمال وصولا إلى أحضان البحر المتوسط فائضا عن حاجة الأرض والنبات والبشر لمياهه التي تشبه في صفائها أم كلثوم وحبيبها!

 

لقد ذهب هذا النيل إلى غير رجعة. ويبدو أنه قد ارتاح لقرار إثيوبيا بمنعه حتى لا يصل إلى أناس لم يعودوا يعطونه قدره من الجلال والإكرام. ولأن مصر هي هبة النيل كما قال هيرودوت قديما، فقد استفاق المصريون مؤخرا على حقيقة أن النيل قد توقف عن منح هبته لهم والتي ظل يمنحها طوال آلاف السنين، وإن المتسبب في ذلك يرجع إلى رجل استهان به واستخف بما لا يليق بعظمة عطائه ومأثره.

 

وحين انتبه ذلك الرجل إلى خطورة ما فعله، راح يلقي بالمسؤولية في ذلك على غيره، إما على رئيس قد سبقه أو على ثورة لم ترق له فلم تحظ بتأييده، أو على مؤامرة كونية حبكتها دول معادية وحاقدة، أما هو فبرئ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

 

ولو كان إعلامه قد اهتم بما تقوم به إثيوبيا قدر اهتمامه بتصريح "عبيط" أدلت به مطربة شابة لما حدث له ولنا هذا المأزق الذي أوقعنا فيه الآن، فقد ألقى الإعلام باللوم على تلك المطربة الشابة متهما إياها بإهانة مصر والنيل، ليفتدي بذلك رئيسه من إهانة مصر ونيلها.

 

هل هي مصادفة أن نقف الآن على أبواب المجاعة في ظل حاكم فشل في إدارة كل الملفات التي وضعها الشعب بين يديه وائتمنه على إنجازها؟ هل يقول لنا في أي ملف منها قد نجح لينجح في ملف النيل؟ هل سيجد الشعراء والمطربون شيئا آخر غير الرثاء والحسرة على النيل اللي "ما جاشي"؟

اعلان

اهم الاخبار