فئران الرأسمالية

فئران الرأسمالية

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

17 نوفمبر 2017

 

كان يوم ظهور نتيجة اختبارات عامى الطويل فى تمهيد الماجستير يوماً صعباً على الجميع، حتى على عم محمد البواب، فخوفى الشديد وحماسى فى الوقت ذاته كان يجعلنى أصدر ردود أفعال غير منطقية بالمرة، لكن الجميع كان يعرف إنها ردود أفعال مُبرَرة بعض الشىء رغم إنها توازى السكارى، عام كامل من السعى بين المكتبات والجلوس بين المراجع واحتضانها مساءً بدلاً من المخدة أو شريك العمر، عاماً من إعداد أوراق بحثية وبناء الأمانى والنظر للغد بعين واسعة ملؤها الأمل، عام من الرغبة فى النجاح فى مجال أتميز فيه جداً، ينتهى كل هذا اليوم، وتبدأ مرحلة جديدة، مرحلة إعداد الرسالة والسعى للتعيين فى الجامعة.

 

أراد الله أن يتكلل نجاحى بأن أكون الأولى على دفعتى، وأن أبدأ الخطوة القادمة وأنا مهيئة بمزيد من الحماسة والقوة، باقى على الحلم خطوة، لكن الرياح تأتى بما لا تشتهى السفن، ففى اليوم التالى مباشرةً، عرفت إن واحدة من الزميلات، والتى لا يُشهَد لها بالنجاح، بل لا يُشهَد لها بشىء على الإطلاق، قد تم تعيينها فى طاقم التدريس بالوظيفة الوحيدة الشاغرة، أو التى خلقها فجأة لتكون شاغرة بعدما لم يكن ثمة أى أماكن متاحة للتعيين، وذلك لإنه لديها "قرايب مهميييين".

 

طبعاً ستستغربون مشاعر الإحباط التى تملأنى، لإنه شخص آخر يشغل وظيفة مرموقة فى مكان ليس بمكانه ويأخذ مساحة شخص آخر أحق منه بهذه المساحة، ما الجديد؟ هى دى مصر يا عبلة، فلماذا أتقوقع على نفسى إذاً وأحزن وأبكى بكاءً يجعلنى لا أقدر على أن أخط سطراً فى مقالاتى ولا أستطيع أن أواجه العالم بروح ممتلئة بالكدمات وقلب مكسور؟! حقيقةً لا أعرف، لربما السبب هو الأمل اللعين الذى يزين الأمور فى أنظارنا ويعدنا بما نتمنى، الأمل شعور مخيف حقاً، يجعلنا نجرى وراء أحلامنا حتى ولو كانت سراباً، ربما الأمل الذى دفع، للسعى خلف الأحلام هو ما جعلنى أشعر بإننى أتألم روحياً تماماً كأننى قد أخذت علقة تكفى لأن يتوب لص عن السرقة، وأحس بالكدمات الزرقاء تغطينى نفسياً، فالأرواح أيضاً تصيبها الكدمات، وتتحول للون الأزرق.

 

بعد أن انتهيت من الشعور بالشفقة على ذاتى، كان لابد لى من البحث عن وظيفة أستطيع بها أن أستقل مادياً فى وقت تُغلَق فيه كل منافذ التعبير عن الرأى، الورقية والإلكترونية، وليس ثمة موضع لقدم صحفى فى مكان، كان لابد لى من وظيفة تمكننى من متابعة دراسة الماجستير واستكمال الرسالة، والتى لا أفهم لماذا أستمر فيها رغم كل ما حدث، كان لابد لى من أن أعمل لأدعم نفسى مادياً، ليلوح لى شبح هربت منه مراراً بعد أن تخرجت مباشرةً، لكنه كان الحل الوحيد، خصوصاً وإنه فى شركة انترناشونال مرتبها مجزى لفتاة فى منتصف العشرينات مستقلة مادياً، شبح وظيفة الكول سنتر.

 

تقدمت للعمل وقُبلت فيه لإن لغتى الإنجليزية ممتازة، حنها تذكرت إن زميلتى العزيزة لم تكن تعرف كيف تكتب هى وهو بالإنجليزية، ولم يسنح لها ترجمة أى من المراجع الإنجليزية التى كان لابد لنا من مراجعتها عن ظهر قلب، لكنها تعينت نهايةً، تجلس الآن فى غرفة المعيدين تحتسى قهوتها على مهل، بينما أجلس هنا أنا خلف مكتب قميء اللون والشكل، أبتسم فى وجوه أناس يصبون جام غضبهم علىّ، أتحمل صياحهم وصوتهم العالى وبذاءتهم وطاقاتهم السلبية، واحتفظ بأكبر قدر ممكن من رباطة الجأش والأدب، وبينما ينتهى يومى بالاستنزاف المعنوى والنفسى كلياً، وأعود لبيتى محطمة راغبةً فى الصمت الأبدى، أتخيلها تعود لبيتها بعد يوم شاق من إلقاء المحاضرات، وإن كانت تعرف من هو محمد على أو ماذا فعل لنهضة مصر مثلاً، ثم أمسك المرتب بكلتا يدى نهاية كل شهر، فأبكى حالى أكثر وأكثر، وأخاف أن تكون هذه هى نهايتى وهذا هو مستقبلى، وإنه لم يعد لأحلامى مكان فى وطن يسحقنى كل يوم كمواطنة وامرأة وإنسانة، وبين رأسمالية متعفنة تستنزف كل طاقاتى ومجهودى وتجعلنى أدور فى دولابها الصغير كالهامستر، تحولنى إلى فأر ينتظر الفتات ليقتات عليه.

 

لا أعرف من ألوم، أعلق أحزانى على شماعة الظروف، أم ألوم وطنى لإنه لم يحتوينى فى طياته كتاك الفتاة الحسناء ذات الفستان الأحمر فى مؤتمر الشباب العالمى، أم ألوم الشركة الانترناشونال الرأسمالية التى قررت أن تفتح فرعاً فى مصر لإن العمالة بها أكثر توفيراً من العمالة فى أوروبا والدول المتقدمة، أم ألوم إحساسى بعدم الرضا والخوف من غد أتحول فيه لترس فى آلة كبرى، لا يعبأ به أحد، وإن توقف عن العمل، يستبدلونه بآخر بمنتهى البساطة، كل ما أعرفه إن الغضب يملأنى، بالرغم إنه من المفروض أن أكون قد تعودت كسرة النفس فى هذا الوطن، أن أكون تعودت إن الأحلام هنا لا تتحقق إلا لمن يملك القدرة على تحقيقها بالواسطة أو المال، من المفروض أن أكون قد تعودت الاغتراب، والشعور بعدم الانتماء، المفروض أن أكون قد تعودت إننى أحد فئران الرأسمالية.

اعلان

اهم الاخبار