التحرش في وطن يمتلىء بالبديهيات

التحرش في وطن يمتلىء بالبديهيات

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

18 أكتوبر 2017

 

لا أذكر ما رقم هذا المقال فى ترتيب أو عدد مقالاتى التى تحدثت فيها عن التحرش، لكننى أعرف إنهم ليسوا بالقليل، ومع هذا، نكتب من جديد، لإن شرح البديهيات فى هذا الوطن هو شىء أساسى، شىء عادى نتعايش معه يومياً، شىء يحتمه علينا تعاملنا مع أناس يفتقرون لأبسط قواعد المنطق، لأناس يجبروننا يومياً على أن نفنى طاقتنا فى الجبهة الخطأ، فى المعارك غير الرابحة، ليست غير رابحة لإنها قائمة على مبدأ أعوج، وإنما لإنك لن تستطيع أن تقنع أحدهم بإن ١+١=٢ طالما مقتنع بإنهما يساويان ثلاثة!

 

التحرش، خطأ الضحية دائماً، لإنها كانت تطلبه بملابسها، وإن لم يكن بملابسها فبحركاتها، وإن لم تكن حركاتها فبصوتها العالى، أو ضحكتها الرنانة، أو استفزازها لمشاعر الرجل بأى شكل من الأشكال، حتى لو كان هذا الشكل عبارة عن ارتداء النقاب مثلاً، التحرش، خطأ الضحية دائماً، لإن الله قد كرمنا بمكوثنا فى منزلنا، فلم نكسر القاعدة دائماً بخروجنا للعمل والدراسة؟! التحرش، خطأ الضحية دائماً، لإننا غالباً ما نخضع بالقول أو الفعل لأصحاب القلوب المريضة، نتقبل تحرش الآباء والأعمام والأخوال وزوج الأم وصديق العائلة والمدير والمدرس ودكتور الجامعة ومدرب الرياضة والمشرفين الاجتماعيين والعامل بالمحل والجالس على الطاولة المقابلة لطاولتنا بإحدى المقاهى، والنادل وسائق التاكسى والميكروباص والتوكتوك، لإننا نخضع لهم جميعاً بالقول والفعل، وبالطبع لإنهم جميعاً بدورهم أصحاب قلوب مريضة!

 

التحرش، خطأ الضحية دائماً، دائماً، ثمة سبب، دائماً، حتى لو لم يوجد، سيخلقونه، لإنهم لا يستطيعوا أن يتقبلوا ولو للحظة إن ما يحدث فى الشارع لكل امرأة مصرية يطول قريباتهن، يطول أمهاتهن وأخواتهن وزوجاتهن وصديقاتهن، وهم لا يتقبلون هذا ليس لمشاعرهم المرهفة تجاه النساء فى حياتهم، وإنما لمشاعرهم المرهفة تجاه رجولتهم، تجاه خوفهم من الإحساس بالنقص والعجز من اضطلاعهم بدور الرجولة، دور حامى حمى الديار، صاين العرض والأرض والمال، لذا يستجدون الأسباب، يبحثون عنها فى جسد كل امرأة تم انتهاكها ليغطوا عوراتهم.

 

وهذا الإنكار الفظيع الذى يعيشه المجتمع المصرى رغم انقطاع أحبالنا الصوتية من الصراخ بواقع مأساة العنف الجنسى الذى نعيشه لا يقف عند حد الرجال، فثمة مئات النساء ممن يرين إن السبب فى التحرش هو المرأة بالدرجة الأولى، فهى دائماً من تسعى لإحداث الموقف، وهى دائماً العنصر الأساسى فى حدوث الواقعة، وهى من تُذهِب عقول شبابنا التعبان جداً لإنه لم يستطع الزواج بعد، أو لإن الدعارة أصبحت غالية مثلها مثل كل سلعة فى البلد، حتى لو كانت الواقعة عبارة عن رش مياة نارية على الملابس، أو انتهاك العضو الأنثوى بسلاح أبيض، أو انتهاك جماعى لمنتقبة فى ميدان التحرير، حتى لو كانت الواقعة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالهرمونات، وإنما هى محض محاولات مستميت لإثبات القوة على من هم أضعف، لإحداث الانتهاك فى حياة أحدهم للشعور بالفوقية ولتحقيق الكينونة المسلوبة من التعرض للانتهاك بدورهم، وهو ما تبرره هؤلاء النسوة بالصمت، فإن لم يبررنه بإلقاء اللوم على الضحية، يبررنه بالصمت، بعدم البوح بما يحدث، بمعايشة عشرات الحوادث يومياً دون أن ينبسن بنبت شفاه، يتقبلن الأمر بصمت يؤذيهن ويؤذى كل امرأة تحتاج إلى أن ترفع صوتها الحاد المرتعش فى مواجهة متحرش، وفى مواجهة مئات الآيادى الواصمة الممتدة إليها بالتهم اللامتناهية.

 

لا، لم أعد أؤمن إنه قمة طريقة لحل الأزمة تحتمل المناقشة المنطقية لتحليل البديهيات، فكما سبق أن ذكرت، ما نفع أن تشرح لأحدهم إن النتيجة النهائية لمعادلة حسابية لا تحتمل أى لغط هو ٢ بينما هو يؤمن ايمان متجذر وعميق بإنها ٣! ستظل كل امرأة صرخت يوماً فى الشارع "متحرش" أقل حظاً من أخرى صرخت "حرامى"، سيظل الرجل يدافع عن النساء فى حياته ضد التحرش لإنه من المطلوب منه أن يفعل هذا كون دوره الاجتماعى فى مجتمع أبوى ذكورى يفرض عليه أن "يحمى" لا أن يقف مع الضحية بالدعم لإنها بالفعل ضحية، ومع هذا لن يدافع عن أى امرأة خارج اطار نساء حياته لإنهن ببساطة فى نظره يستحققن هذا، وستظل هناك نساء يطالبن غيرهن بالكف عن التذمر لإنهن يشعرن بالأفضلية عليهن، فهن يطابقن مواصفات المجتمع عن الأنثى الشرقية المحتشمة بنت الأصول، تلك التى يأتى إليها الخُطاب بعد أن قطعوا القطر المصرى شرقاً وغرباً لإنهم لم يجدوا فى أدبها، أو بالأحرى تصنُعها للأدب!

 

أصبحت أؤمن إن الحل الحقيقى يكمن فى البلطجة، فى أن تخرج النساء فى الشوارع بما يرغبن فى لبسه بدون خوف حقيقى، وأن يخلعن أحذيتهن وينزلن بها على رأس كل من تسول له نفسه أن يمد يده أو لسانه أو حتى بصره، أصبحت أؤمن إن الحل يكمن فى أخذ الحق بالدراع، فى فضيحة المدير المتحرش ودكتور الجامعة القذر والمدرس المُنتهِك، أصبحت أؤمن إن الحل لن يأتى بتعريف عملية التحرش وشرح مشاعر الضحية وخلق بيئة من التعاطف مع واقع الأمر المزرى جداً، بل يأتى بأخذ الحقوق غلاباً، وبترك البديهيات لأصحابها!

اعلان

اهم الاخبار