فرحة تسعين مليون إلا نفر!

فرحة تسعين مليون إلا نفر!

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

11 أكتوبر 2017

أنهي عملي بعد يوم شاق جداً، ألملم أشيائى من مكتبى الصغير الذى أحاول أن أجعله جميلاً يوماً تلو الآخر بإضافة أشياء أحبها له، لتجعله أكثر قبولاً فى عينى، ولتجعلنى أكثر الرغبة فى الحضور فى اليوم التالى، لهذا العمل الذى يسلب الشغف من حياتى يوماً تلو الآخر، ويحولنى إلى أسوأ كوابيسى، ترس صغير فى آلة الرأسمالية الكبرى.

 

أخرج إلى الشارع ليقابلنى هواء الكورنيش المندفع بنسماته اللذيذة التى تحمل بعضاً من البرد، شتاء الإسكندرية يقترب، سبباً يصنع بعض السعادة فى حياتى البائسة، ويحفز على انتظار غد أفضل، وما ألبث أن أجد ميكروباص شبه فارغ يقلنى للمنزل، حتى تتعالى الصيحات الممتلئة بالأدرنالين فى الشارع لسبب غير مفهوم، وحين تلفت يمنى ويسرى متسائلة عن واقع الأمر، اندهش أحد الراكبين ونظر إلىّ نظرة يشوبها بعض الاحتقار، وقال بلسان حال "دى عبيطة دى ولا ايه" إنه ماتش تأهل مصر للمونديال يا آنسة، أسرع قليلاً من فضلك علنا نلحق نهايات الشوط الثانى!

 

لم أعبأ بنبرته إطلاقاً، فما يهمنى أنا من مباراة تأهل مصر لكأس العالم، لربما كنت أهتم منذ سبعة أعوام، لست خبيرة بكرة القدم بشكل عام، لكن إذا ما مست المباراة حدث حيوى فى حياة مصر، كان الأمر بالنسبة لى بمثابة حياة أو موت، أهتم بمعرفة التشكيل وأتابع المباراة فى حماس مع إنى لا أعرف ما الفرق بين البلينتى والجول، وإذا ما أحرزنا هدفاً كنت أول المهللين، وهذه ليست "زيطة" لا سمح الله، وإنما فرحة عارمة حقيقية من القلب، لكن اليوم، اليوم تحديداً، أشعر بلامبالاة لا مثيل لها، رغبة فى عدم الاهتمام بأى شىء، وفى النهاية فأنا لم أؤمن حقاً بإننا سنفوز!

 

وفجأة، تهافت الناس على الشوارع من كل حدب وصوب، مهللين، ملوحين بأعلام لمصر فى كل شبر من الشارع، قارعين الطبول، لينضم إليهم السائقين، ولتصبح سيمفونية فى منتهى النشاذ ما بين الطبول وأبواق السيارات، لأفهم نهايةً إن مصر تأهلت لكأس العالم بعد ٢٨ عاما من ذل مجدى عبد الغنى، لكن مشاعرى لم تتحرك قيد أنملة، مازلت لا أهتم، ومازلت لا أشعر بالفرحة رغم المئات من المحتفلين حولى، يقولون إن المشاعر معدية جداً، الفرح والابتسامة تنتقل إليك بمجرد أن تستشعرهما من أحد بصدق، تماماً كالحنق والغضب والهدوء والحزن والرغبة، لكن ما حدث هنا هو العكس تماماً، كلما كانت أصوات الاحتفالات تعلو من حولى كان المشهد يبدو أكثر سيريالية وسوءً، لدرجة أحسست معها إننى إراقبنى بين الجمع الفرحة من خلف لوح زجاجى، أبدو باهتة جداً بابتسامة خافتة على ثغرى الملون بأحمر شفاهى المفضل، أتقوقع فى نهاية الميكروباص منتظرةً سيولة مرورية يفتح الله بها علينا لأصل سريرى الحبيب، أخرج سماعات هاتفى من حقيبتى وأضعها فى أذنى محاولةً الانغماس فى عالمى الخاص، للشعور بمزيد من الاغتراب!

 

وبينما أنا هكذا، أفكر فى إننى لربما أكون الشخص الوحيد بين ٩٠ مليون الآن غير عابئ بما يحدث، وأجد غضاضة واحساساً غريباً بالوحدة والذنب تجاه الوطنية المهلبية، فإذا بأحدهم يمد يده إلى داخل شباك الميكروباص ليمسك صدرى بعنف لم أعهده فى حوادث التحرش التى عايشتها طوال سنواتى ال٢٤، وقبل أن ينطق لسانى بكلمة واحدة، كانت الجموع الغفيرة والأصوات العالية قد ابتلعت حادثة انتهاكى بين طياتها، ليغمرها النسيان، ولا يبقى غيرى، ليتقوقع فى نهاية الميكروباص بشكل أكبر، ولأصل إلى رد منطقى جداً يحول دون شعورى المرير بالذنب من اللامبالاة، أنا لم أعد أشعر بالانتماء!

 

مخيفة الجملة كثيراً، لم أعد أشعر بالانتماء لهذا الكيان الكبير الذى ضم سنوات عمرى بأسرها، وذى لربما سيضم ما تبقى منها، لم أعد أشعر بإنه يمكننى أن أفرح لفرحها فعلاً، فهى قاسية جداً على من يحبها، قاسية لدرجة تجعلنى لا أستطيع أن أبالى، لا أستطيع أن أبالى وأنا أحضر كل يوم إلى عمل لا أطيقه لإن إحداهن قد تم تعيينها فى الجامعة رغم إنها رسبت مرتين متتاليتين، وأنا أولى دفعتى، لا أستطيع أن أبالى وأنا أتحول إلى مسخ، مسخ كنت قد وعدت نفسى مراراً آلا أتحول له، لا استطيع أن أبالى وأنا يتم انتهاكى بشكل شبه يومى، لا أستطيع أن أبالى وأنا أشعر بالغربة بين الناس، وكأننى لست منهم أو بينهم، مع إدراكى لما يكابده أغلبهم فى حياتهم بشكل فردى، لازلت أراهم يفرحون ويهللون! تماماً كفيلم واحد صفر، حيث يخرج الجميع فى محاولة بائسة للتصنُع، لتصبير النفس، لإقناعها بإن كل شىء ما يزال على ما يرام، مغلفينها بإطار الوطنية، أو لربما مازال هذا البلد بعد كل هذا لم يقضى على ما بداخلهم تجاهه من حب، أما أنا، فببساطة لم أعد أهتم، لا أعرف حتى كيف يمكننى أن أهتم!

 

تسعون مليون شخص، مازالوا قادرين على العطاء لوطن يطحنهم بين ضروسه يومياً، أو مازالوا قادرين على الوقوف أمام مرآة أرواحهم والكذب على أنفسهم، أما أنا فلم أعد Hحتمل، لهذا يمكننا أن نعتبرهم تسعين مليون، لكن إلا نفر!

 

اعلان

اهم الاخبار