الضحية يجب أن تكون بريئة للغاية!

الضحية يجب أن تكون بريئة للغاية!

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

27 سبتمبر 2017

 

فيديو ينتشر بسرعة الصاروخ على مواقع التواصل الاجتماعى، تحكى فيه فتاة عن اغتصابها على يد صديق وضع لها مخدراً فى الطعام، تحاول أن تبدو متماسكة بشدة، لكنها لا تستطيع، تنهمر دموعها فجأة بين محاولتها لكبحها كلما اقتربت تفاصيل الواقعة على الاحتدام.

 

ليس أول فيديو أو أول تسجيل نراه لفتاة تخرج صارخة باكية ضاربة وجهها بكفيها، ولن يكون الأخير أيضاً، فحياة النساء فى مصر هى سلسلة متلاحقة من الانتهاكات الانسانية اليومية، انتهاكات تنال من كل ذرة فى جسدها، ومن كل شبر فى كرامتها، ومن طاقتها وقدرتها على العمل والابداع والنجاح، تُصيبها بالمرارة والصداع النصفى والقولون العصبى والضغط والسكر وأمراض العالم النفسية والعصبية بأسره، هذا ليس بشىء جديد علينا، إنما هو تحصيل حاصل لمسلسل طويل من القهر والعنف الجنسى الذى تخوضه النساء فى مصر، لكننا يمكننا أن نعتبرها الحادثة الأفرد من نوعها فيما يخص ما يجرى على ساحات السوشيال ميديا القميئة..

 

يتبلور المشهد يوماً تلو الآخر، وتُلقى بالاتهامات من كل الأطراف على كل الأطراف كما هى العادة فى هذا النوع الحساس من القضايا، ولإيمانى بإن السوشيال ميديا تجعل من بعض المذنبين ضحايا وتصنع منهم شهداء على محراب الشهرة الأبله، لم أعرف من أصدق، ولم أعرف كيف أتعامل مع الوضع كنسوية تؤمن بحق المرأة فى الحياة، لكنى آثرت الصمت حتى تتبين الدلائل المادية على الواقعة، لإنه أكم من قضية إنسانية استنزفت عواطفنا عبر السوشال ميديا لنجد ضحاياها أُناس غير أسوياء، لإنها فى الأصل بيئة غير سوية بالمرة، بيئة يسعى فيها الجميع إلى أن يكون الأكثر فى كل شىء، الأكثر قوة، الأكثر جاذبية، الأكثر روشنة، وحتى الأكثر حزناً وبئساً ومرضاً إذا لزم الأمر، وهو بالطبع ما إن ثبت عكسه فى هذه القضية تحديداً سنلوم أنفسنا لومة المتقاعص عن حماية الوطن يوم هجوم المعتدى على أراضيه، لكننا فى النهاية سنكون قد وضعنا نصب أعيننا المُعتدِى والمُعتدَى عليه، سنكون قد دققنا فى الوقائع قبل الحكم، ليس تكذيباً لضحايا الاغتصاب، إنما خوفاً من استغلال النفوس المريضة لواقعة وهمية فى تكذيب ضحايا الاغتصاب الحقيقيين.

 

لكن، ولشد ما يؤذى، انتشار منشورات فى جميع أنحاء السوشيال ميديا تتناول الفتاة بالتلاميذ فى العرض والشرف، منضورات تقوم كما نقول بالعامية المصرية بفرش الملاية، وجلب الصحيفة السوداء لحياة الفتاة، واخراج لملفها وسيديهاتها من الخزانة المغلقة لنشرها على العوام، فقط لإثبات عدم صحة رواياتها، لأن من مثلها لا يُعقل أن تكون ضحية اغتصاب طبعاً!

 

منشورات تنتشر فى كل مكان مدعومة بالصور والفيديوهات، تتناول سيرة الفتاة بكل ما هو يشوه سمعتها، فهى تشرب الخمر ولها أصدقاء رجال كُثر وتدخن السجائر والأرجيلة وتعيش فى السادس من أكتوبر بالقاهرة بمسكن منفرد تعودت على استقبال الأصدقاء الشمال به، وهى الفتاة المتبرجة ذات الشعر المنكوش التى تضع عشرات مساحيق التجميل على وجهها، وتضحك بملئ صدرها إذا ما ألقى عليها أحد أصدقائها الرجال نكتة بذيئة بعض الشىء، ومثل هذا النوع من الفتيات بالضرورة شمال، فقد خاضت الكثير من التجارب التى تمس بالشرف، وبالتالى من الطبيعى جداً أن تقودها إلى هذا المصير المحتوم، الاغتصاب، هذا إن كان اغتصاباً أصلاً ولم يكن بموافقتها!

 

الأمر أصبح سخيفاً بدرجة غير طبيعية، فعلاً، لماذا يجب على النساء أن يكن أبرياء إلى الحد الذى يُسمَح لهن معه أن يصبحن ضحايا اغتصاب؟! سؤال وجودى لا أظن إننى سأجد له أى إجابة فى هذا العالم الممتلئ بغير المنطقيات، لماذا يجب على المرأة أن تكسوها دائماً حمرة الخجل إذا ما سمعت أحد يناديها باسمها فقط حتى يكون شىء عادى أن تصبح ضحية اغتصاب؟ لماذا تتحول المرأة ذات الصوت العالى والحضور الطاغى والقدرة على عيش الحياة بطريقتها الخاصة حتى وإن كانت خطأ فى نظر الكثيرين إلى وحش كاسر؟ إلى حسوانة مفترسة تطلق هرموناتها عل أى ذكر يمر بالقرب منها؟ وإنه من غير الممكن طبعاًأن تكون الشمال ضحية للاغتصاب!

 

مثل هؤلاء ينكرون على الممتهنات لمجال الدعارة تعرضهن للإهانة والاغتصاب، لإنهن شمال ويستحققن ما يمررن به فى مثل هذا العمل، وينكرون على زوجات تعرضهن للاغتصاب الزوجى لإنهن بالنهاية زوجات حلال أزواجهن ليس لهن حق الرفض أو التمنع، وينكرون على المطلقات تعرضهن للاغتصاب لإن المطلقة بطبيعتها كائن غير سوى يحتاج إلى رجل يشبع هرموناته المتقدة بعد أن تذوق حلاوة الجنس للمرة الأولى، وينكرون على المستقلات مادياً تعرضهن للاغتصاب لإنهن شابات هاربات تركن بيوت أهلهن المصونة وهربن إلى الشوارع بحثاً عن الانفلات، فى الواقع، هم ينكرون على أى انثى مهما كان وضعها الاجتماعى ومهما كانت اختياراتها فى الحياة مختلفة بالنسبة لهم حقها فى أن تكون ضحية إذا ما تعرضت لمثل هذا الموقف يوماً، فللضحية فى أذهان الكثير من المصريين نمط واحد، شكل معروف، قوامه البراءة والخجل والإطراق بالنظر إلى الأرض، غير ذلك فهى شمال، وهى تستحق بالضرورة ألا تكون ضحية!

اعلان

اهم الاخبار