ناقوس العمر المزعج جدًا

ناقوس العمر المزعج جدًا

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

20 سبتمبر 2017

 

في تعارف بسيط على المحيطين حولى في مناسبة اجتماعية ما، كانت كل فتاة تردد اسمها وعمرها وبعض المعلومات عنها، كانت أغلب أعمارهن تتراوح ما بين الثامنة عشر وثانية وعشرين، لا تكبر إحداهن عن هذا العمر، حتى سُئلت بدورى عن عمرى، فأجبت في الرابعة والعشرين، ليسود صمت غريب، ونظرات تحتمل بداخلها درجة من الشفقة، ولتعبر إحدى "الطنطات" عن مدى شعورها بالألم جرّاء هذا، بينما تخبرها أخرى "وماله لسة صغيرة"، وظلت حلقة النقاش تدور حول أزمة العمر الحيوية التي أعانيها، وكأننى أخبرتهم إن والدى متوفى وعاجز عن العمل، وليس إن عمرى ٢٤ عاما!

 

لم يشكل لى عمرى مشكلة قط، بل كنت أتضاحك على النساء اللاتى يرفضن التصريح بأعمارهن أمام الغرباء وكأنه سر عسكرى ستنفضح خطتهن للسيطرة على العالم بالإفصاح عنه، كنت أظن هذا الحرص الشديد على إخفاء العمر ما هو إلا سخف، لن أقوم به أو أفعله أبداً، لإنه في النهاية مجرد رقم، لا يحدد بأى شكل من الأشكال هواياتنا أو شبابنا، يمكنكم أن تعتبرونى حالمة بعض الشىء، لكنى من نوع الناس المؤمن جداً بشباب القلب، لكن منذ ذلك الحين وأن أشعر بإن أعوامى الـ ٢٤ يقفون أمامى كأربعة وعشرين عمود، يسدون طريقى سداً، ولم يبق منفذاً غير منطقة صغيرة للغاية، هي الوحيدة التي تسمح لى بالمرور إلى الفضاء الرحب، لكن مصيرها للسد هي الأخرى، ما أن يظهر العمود الخامس العشرين في الأشهر القليلة المقبلة..

 

أصبحت أرتعب من ذكر رقم ٢٤ بشدة، أشعر بسببه إننى أخطو بقوة تجاه الربع قرن دون إنجاز حقيقى يُذكَر في الحياة، بعض المقالات هنا وهناك، ماجستير لم يكتمل بعد، وعمل لا أحبه بالقدر الكافى مثل الكتابة، أصدقاء قليلون للغاية، وحياة عاطفية خالية جداً، ليتردد في الخلفية صوت حجاج عبد العظيم في فيلمى المفضل "الناظر"، مدرسة عاشور صفر، ابتدائى إعدادى صفر، ثانوى صفر، صفر، صفر!

 

وما يزيدنى رعباً هو نظرة الجميع لى في أي مكان على إننى لا أزال ناقصة، لا أزال ينقصنى يكمل رسالتى السامية في الحياة، فبنات العائلة الأصغر يُخطبن، لكنى لا أعبأ سوى بمحاولات مستميتة لأن أحدد ماذا أريد في الحياة بعد الانتهاء من دراساتى العليا، دون خطة واضحة لإيجاد عريس أو إنجاب أطفال لهذه الدنيا، نظرة تُشعرنى دائماً بإننى لست جيدة بما يكفى، نظرة تُشعرنى بإننى أقل قدراً من المحيطين بى، حتى ولو كنت أعرف في قرارة نفسى إننى لست كذلك.

 

لكن ناقوس العمر الذى يدق دائماً لدرجة مزعجة تكاد تفتك برأسى لا يخيفنى بسبب نظرات الناس التي أعرف في النهاية إنها لن تعنينى بشكل واضح أو حقيقى، فهذا التغامز والتلامذ شىء عادى وأساسى تعايشه كل فتاة مصرية في مجتمعنا البائس، ولا يعدو تأثيره مجرد بعض النظرات، تترك علامات على أرواحنا، لكننا نتخطاها دائماً، لإننا ندرك إن الأرقام لا تحددنا، إنما يخيفنى لإننى لم أقترب ولو لسنتى واحد من إيجاد شريك الحياة المُحِب المُتفهِم الذى أستطيع أن أكمل معه حياتى وأنا أضع في بطنى بطيخة صيفية لذيذة جداً، يخيفنى معرفتى في قرارة نفسى إننى لا يجب أن أرضى بأى شخصية لا تتوافق مع أفكارى التي يراها أغلب مجتمعى أفكار شاذة وهدّامة، ويخيفنى أن يأتي اليوم الذى أضطر فيه لأن أتقبل هذا كشىء عادى بسبب ضغط الحاجة إلى الشعور بالقدرة على مشاركة حياتى مع شخص آخر، أو إننى لست وحيدة نهايةً، أو الضغط الذى استشعره في ابتسامات المباركين في الأفراح والمناسبات، الرابتين على كتفى ويدى قائلين عقبالك وشدى حيلك، أو الذى أستشعره في ابتعاد بعض صديقاتى المتزوجات حديثاً أو المخطوبات عنى لإننى ولا شك سأحسدهن على سبع السباع الذى فزن به من بين رجال اسبرطة العظماء، أو سآخذه منهن، أو لإن سبع السباع غالباً يرى إنى فتاة ستقلب امرأته عليه لإنى أُفكِر بعقلية خرّابات البيوت!

 

يبقى سن ال ٢٤ مرحلة انتقالية في نظرى، من أعتاب الشباب المختلط ببعض المراهقة والجنون والصخب والتخبط إلى شباب الاستقرار والقدرة على معرفة ما الذى نريده من الحياة، لكنه يوجد بداخلى دائماً رعب سرمدى من فكرة عدم قدرتى على تحديد هذا الذى أريده من الحياة أصلاً، لربما لإن الاختيارات لفتيات مصر في مجتمع شرقى يراها آلة مصنوعة لفعل شيء ما بعينه ليست كثيرة على الأرجح، ولربما لإنى لازلت لم أتحرر من الموروث الثقافى البائس الذى زُرِع في وجدانى منذ الصغر، ولربما لإننى أشعر إن الجميع ينتظر زواجى بفارغ الصبر وكأننى الآنسة الوحيدة المتبقية في الكون، أو كأن زواجى سيحمى العالم من الانقراض، حتى وإذا حاولت أن أدافع عن نفسى أمام ال "مش هنفرح بيكى بقى"، لأقول إننى بالفعل فرحة بنفسى، وإننى بالفعل أسعى لاكتشاف المزيد من شخصيتى، لأختبر الخبرات الأكثر، لأرى أماكن أغرب وأكثر براحاً، لأجرب كل أكلات حول العالم، ولأبتسم ما حييت، تبقى جملة "ماتقوليش كده... الملايكة تسمع منك وتأمن وماتتجوزيش" ترن دائماً في مسامعى!

 

ناقوس العمر لم يكن يوماً مزعج جداً، المزعج فعلاً هو أغلب أفراد مجتمعى، الذين يجعلوننى أشيخ قبل أوانى!

اعلان

اهم الاخبار