سيلفي الموتى.. رحلتنا إلى البلادة

سيلفي الموتى.. رحلتنا إلى البلادة

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

14 أغسطس 2017

وقع الخبر على مسامعى كأن شيئاً لم يكن، ترحمت على كل من يقف بين يدى الله تعالى الآن، ودعوت بصدق لكل من أصابته النكبة، لكن حياتى لم تقف كما كان يحدث لى في السابق إثر حدوث فاجعة مثل هذه، لم أشعر بثقل القلب، ولم تلمع عيونى بالدموع، ولم أقدر على أن أتوقف عن ممارسة النشاطات الانسانية الهامة الواجب علىّ القيام بها، لم أتقوقع في سريرى، لم أغلق باب حجرتى وأمتنع عن الاطلاع على الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعى ردماً لشقوق الروح وتجنباً لتقرُح جراحها على الضحايا من جديد، أملاً في مداواة الوقت الكفيل بها، كنت أرى الصور بشعور عميق بالأسى، لكن لا يرقى لمرتبة الحزن الذى يتملكنى دائماً، أقرأ تفاصيل الأخبار وأنا أتابع التصريحات المتضاربة بغضب من الإهمال الجسيم الذى لا تنتهى آثاره، لكنه ليس بالكافى ليدفعنى إلى الرغبة في فعل شيء، ربما ليقينى بإن فعلى هذا لن يجدى نفعاً، أو لإيمانى بإن من توافهم الله قد ذهبوا بلا شك إلى مكان أفضل غير البلد الذى نحيا فيه، أو بالأحرى نموت!

 

شعرت بالاستغراب الشديد من نفسى، كرهتها لأبعد حد، قارنت بين آلاء الكسبانى ٢٠١٧ في حادثة القطارات الأخيرة، وبين آلاء إثر أحداث مباراة الأهلى في بورسعيد، أو قتل جماهير الزمالك في ستاد الدفاع الجوي، أو تجمُد بعض المواطنين المصريين على قمة جبال سانت كاترين لإنهم ليسوا أجانب، وغيرها من الحوادث التي عايشتها بقلبى منذ بدء الثورة وحتى اضمحلالها، قارنت لاستشف الفرق المُفزِع، ولأتبين إننى لم أعد كما كنت، مُسِخَت إنسانيتى، وأصبح على قلبى ران، فقد كان خبراً عن وفاة أحدهم في حادث كفيل بإظلام  روحى لأيام، واندهاشى من استمرار الحياة على وضعها، كنت أعايش الاكتئاب وكأنه رفيق دربى بسبب وفاة أو إصابة أحدهم، أما الآن، لم يعد يملكنى الحزن، لازلت أفزع لعدد المصابين والقتلى، لازلت أدعو بصدق للضحايا وأسرهم المنكوبين، لكن مع هذا تعترينى حالة قميئة ومقززة من البلادة!

 

ربما يظن البعض إن هذا أمراً يتعلق بى وحدى، لكن دعونى أؤكد لكم، إنه برغم هالة الحزن المخيمة على وطننا، إلا إن البلادة قد تمكنت من صميم قلوب غالبيتنا الغالبة، هذا إن لم تكن متمكنة من الأساس، فالشارة السوداء التي لا نلبث أن نرفعها من فوق صور المصريين الضحايا، نعيدها من جديد على عدد أكبر من الصور، وأكبر، وأكبر، هكذا مرة تلو الأخرى، فقد ألفنا الموت في جُل صوره، وأصابنا مصابه حتى من أتفه الأشياء، نعيش في فيلم "الوجهة الأخيرة" بكل أجزائه، ولا نقدر على وقف الموت ولو حتى لشهر واحد فقط! في كل شهر من كل عام سنوية مختلفة لضحايا مختلفين، نعكف على ذكرهم سنة تلو الأخرى، ولا تسلم أرواحنا من التأنيب إذا ما نسينا أو تناسينا مرة، ليأتى ضحايا جدد، بذكرى جديدة أكثر سواداً، حتى تُظلِم الروح، وتفنى مشاعر الإحساس بالأسى! نجد الموت ينبثق لنا من طلبة تذهب إلى مدارسها، من مشجعين يموتون في مباراة كرة، من ركاب قطار يحترق أو يصدم بآخر، أو عبارة تغرق في شبر مياة لإنها غير مجهزة بما يكفى، من الإهمال الطبي، والإهمال العلمى، والإهمال الصناعى، وحتى في السياحة الداخلية، لتصبح الأرض المخضبة بالدماء، والأشلاء المتناثرة، والمتعلقات المفقودة، والنواح، وارتداء الأسود، علامات مميزة جداً لحياتنا البائسة في وطننا البائس.

 

مع كل حادثة جديدة، يتحقق قول الباحث الشاب أحمد الغندور أو المعروف بـ "الدحيح" في فيلمه القصير عن التعاطف مع الضحايا والشعور بالإنسانية تجاه المكروبين، حيث يقول وفق استشهاداته من أبحاث مختلفة إن الانسان يفقد تعاطفه مع الضحايا والمنكوبين إذا ما كان عددهم في الليمون، لإنه ببساطة "انت بيموت منك كتير"! فلا تستغربوا إن شعرتم بإنكم مسوخ، أو على أعتاب التحول إلى موتى أحياء، تصرعهم الحياة وتضع رقابهم تحت حذاء الحاجة، فيدورون مثل الفئران الصغيرة في عجلات خشبية لا يخرجون منها لتحقيق سبل الحياة الكريمة، غير عابئين بمن تدهسهم هذه الحياة فى وطن يقل فيه سعر الإنسان ليكون الدولار الواحد أكبر قيمة منه، فلا يشعرون بقيمة الحياة في ذاتها، وتضمحل لديهم القدرة على التعاطف مع البشر!

 

كل هذا كان أمراً حتمياً في نظرى رغم اشمئزازى من المَسخ المُتَعَمَدْ الذى يجريه المجتمع لروحى وأرواح غيرى من ٩٠ مليون إنسان، لكنه كان شديد القسوة في وقعه على أعصابى فور رؤيتى لسيلفى الموتى، السيلفى الذى التقطه المسعفين مع القطارين المتصادمين أول أمس، بين الجثث والأشلاء، والأرض التي لم تشرب بعد دماء موتاها، حيث كانوا يقفون في مواجهة كاميرا هواتفهم الذكية، تعلو وجوههم شبح ابتسامة أرعبتنى، سرت بسببها القشعريرة في جسدى، وأحسست بها إننى في فيلم رعب يتلقط فيه شخص سيلفى مع آخر مقتول غارق فى دماءه، لكنه ليس شخصاً عادياً، بل هو المسعف المنوط به إنقاذ الأرواح، وليس التراقص على جثامينها! المسعف الذى رمى بالواجب عرض الحائط، ترك طفلة محبوسة بين عربتين، أو رجل جريح ينزف، أو شيخ يئن، ليلتقط مع زملاءه سيلفى بقرب ملك الموت الذى يرفرف فوق المكان الذى يقبض قلبك بمجرد أن تخطو فيه، حتى وإن كنت فاقد لكل القدرة على التعاطف أو الإحساس بالإنسانية!

 

إن هذه الصورة واجبة التداول على مواقع التواصل الاجتماعى وفى الأخبار والصحف رغم قسوتها ورعبها، لإنها بمثابة انعكاس حقيقى لواقع الأزمة في مصر، الإهمال المزرى المتجذر في المنظومة من أخمص قديميها وحتى أعلى مكانة فيها، الإهمال المصحوب ببلادة قاتلة ومرعبة، بلادة تجعلك تتيقن إنك لا تحيا بين بشر، وإنك سرعان ما ستتحول إلى واحد منهم!

اعلان

اهم الاخبار