ليست هي العاهرة

ليست هي العاهرة

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

07 أغسطس 2017

لم يفارقنى صوت صراخها المدوى، كنت أسمعه أينما ذهبت، ومهما فعلت لأتشاغل عنه، يأتينى واضحاً نقياً، كأنما أراه كما أسمعه، طاردنى لأقصى حد، حتى في نومى، سمعته في كوابيس على مدار يومين كأنه أمر واقع أمامى، وليس مجرد حلم سينتهى حالما أصحو، شعرت بأنفاسى تخبو، وبصدرى يضيق وكأنما يجلس عليه جاثوم.

 

أتابع ماسورة المنشورات التي انفرجت في الفيس بوك، الكل يتحدث عن التسجيلات الأخيرة للدكتور المعروف بتحرشه بطالباته في وقائع سابقة، والتي لم تكن كافية لاتخاذ إجراء قانونى ضده نظراً لضرورة أن يكون ثمة بلاغ للشرطة من الضحية، في حين كان انتشار فيديو لدكتورة جامعية ترقص في احتفال خاص فوق سطح منزلها الخاص كافياً لإثارة مشاعر المدافعين عن الفضيلة، وقيامهم برفع بلاغات للنيابة العامة ضدها بتهمة نشر الفسق والفجور، لأن العُهر دائماً يلتصق فقط بأجساد النساء، ولا ترتبط مفاهيم الشرف سوى بتصرفاتهن وحدهن!

 

شعور عام بالعجز والقهر يُخيم علىّ، يجبرنى أن أفكر في المستقبل الذى اختفت منه أي مصادر للضوء حتى تلك التي كنا نُمنى أنفسنا بها في نهاية النفق، لدرجة أصبح معها معتم كلياً، لا يرى فيه الناظر إلا السواد الحالك، تُعاد صياغة الإقرار الذى أملاه عليها الدكتور الجامعى مربى الأجيال لتكتبه تحت التهديد مراراً وتكراراً على مسامعى، أتذكر كل تفاصيلها حتى أصغرها بمنتهى الدقة، ويزداد شعورى بالأسى، وبإنه ليس ثمة مفر من الحياة هنا سوى بالسفر إلى مكان أستطيع فيه أن أحيا كامرأة بدون خوف، وأن أنجب لهذا العالم طفلة تفهم عن الحق والخير والجمال، تلعب وتلهو وتكبر لا تهتم سوى بمشاكل مراهقتها العادية جداً  مثل حب الشباب، تحلم بأن تدرس بأكبر الجامعات لتعرف فيها ما تهوى من العلوم قبل أن تتعلم كيف ترد الاعتداء الجنسى عن نفسها، وقبل أن تترسخ في أذهانها أفكار تجعلها تعيش أسيرة الخوف من الفضيحة، الخوف من كونها أنثى، جامعة كالتى كتب عنها الدكتور عمرو حمزاوى في مقالة سابقة له بأحد المواقع الإخبارية، تُدرِس مادة للطالبات والطلبة وحتى المعلمين عن الاعتداء الجنسى، وعن كيفية رده أو الإبلاغ عنه، وعن آثاره على الضحية، أنثى كانت أم ذكر.

 

لكن الأمر لم يكن بسبب مدى كارثية التسجيلات ومدى تمكُن صرختها من التوغل في أعماقى فحسب، بل أيضاً من تعليقات كثيرين على التسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعى باختلافها، التي تَصِم الفتاة بالعُهر، كونه يستحيل قيام رجل بهذه الأفعال الدنيئة مع امرأة يرى فيها الشرف، وآخرون يتهمونها بالتخاذل والجبن، لعدم قيامها بمواجهة الفاعل أثناء قيامه بجريمته، رغم تأكيد التسجيلات على قيامه بكل شيء تحت تهديد السلاح، فضلاً عن انبثاق أسئلة جهنمية تنم بالطبع عن شدة ذكاء سائليها، مثل " ايه اللى خلاها تروح مكتبه أصلاً؟"، "بتسجله... يعنى كان عندها علم بإن ده ممكن يحصل بقى؟!"، "ازاى بتحملوه وحده المسئولية؟ المسئولية ترجع لأهل البنت اللى ماربوهاش عشان تروح لواحد مكتبه!"، هذا بالطبع إلى جانب قسم البعض الآخر بأغلظ الأيمان إنه لن يترك بناته أو أخواته الفتيات عرضة لهذا النوع من الصراع الحياتى الذى تعايشه النساء في مصر، ولذلك، سيحسم أمره ويمنعهن من التعليم، بل من الخروج من المنزل، لكن بين كل هؤلاء، يبقى كل من سب وخاض في شرف الفتاة التي نالت حكماً من المحكمة بحبس من تحرش بها لمدة خمس سنوات، والذى قام في نفس الوقت بالاستماتة في الدفاع عن فتاة التسريبات، في أعلى مراتب التعليقات التي أشعرتنى بمدى سوداوية الموقف وخطورته!

 

والحقيقة إن الغضب الذى يعترينى من كل هؤلاء حتى هذه اللحظة التي تخرج فيها مقالتى إلى شاشات حواسيبكم وهواتفكم الذكية لا يقل عن غضبى من مرتكب الواقعة ذاته، فهم بالنسبة لى شركاء في الجريمة، ليس فقط بالصمت عنها، بل بتبريرها للحد الذى يجعلنى غير مُصدِقة لإننى أعيش بين هذا الكم من الخراء الفكرى!

 

نحن لازلنا نناقش بديهيات بسيطة جداً مثل إن حق المرأة للخروج للعمل وللعلم والسفر هو شيء بديهى وأساسى لا جدال فيه، وإن منعهن من الخروج لن يحول دون اغتصابهن أو التحرش بهن، في حين إن إنهاء النظرة المجتمعية الواصمة بالعُهر للناجيات من العنف الجنسى والاغتصاب والتحرش باعتبارهن سبباً فيه هو أولى خطوات ردع الجناة، وفى حين اعتبار إصلاح منظومة التعليم والعمل الخاص والعام في مصر بحيث تتساوى مكانة النساء به مع الرجال للحد الذى يشجعهن على الإبلاغ عن تحرش في مكان التعلُم أو الوظيفة هو أهم شيء بعد تأهيلهن نفسياً لمواجهة الآثار المترتبة على مثل هذه الوقائع، إنها بديهيات يا سادة!

 

لماذا علينا أن نشرح دائماً إن ذهاب امرأة لفعل شيء ما أياً كان ماهيته حتى ولو ذاهبة للديسكو لا يعد مبرراً لاغتصابها أو استعمال العنف الجنسى عليها، ولماذا علينا أن نقول إن منع المرأة من ممارسة نشاطاتها الحياتية لن يحول دون وجود ياسين لاشين حولها؟ لماذا يجب أن نكرر في كل حادثة إنه ثمة أب وأخ وعم وخال وزوج مُغتصِب مُمارِس للعنف الجنسى على النساء الموجودات في حياته؟ لماذا يجب أن نكرر إن التحرش والاغتصاب يطول من ترتدى النقاب، ومن تضع الحجاب، ومن لا ترتديهما؟ لماذا يجب أن نعيد على مسامع وأذهان الكل إن التحرش والاغتصاب ليسا ناجمين عن رغبة جنسية محمومة ومحتدمة تثيرها ملابس النساء العارية في شوارع مصر المحروسة التي تعانى فيها الفتيات من العنف الأسرى بسبب ارتداء الحجاب قهراً، والتي لا يُسمَح لأغلب البنات فيها ارتداء الفساتين أصلاً؟! لماذا يجب أن نُشدِد في كل مرة على إن العنف الجنسى تجاه المرأة ناجم عن شعور الرجل بالضعف ورغبته في تفريغه لهذا الضعف في شكل عنف على كائن أضعف منه، وإلا لماذا يتحرش العم ويغتصب الدكتور الجامعى الطاعن في السن؟! لماذا علينا أن نسوق أمثلة لرجال وأطفال في سن الأربع سنوات فيما أكبر يتعرضون لمثل هذه الوقائع وأبشع؟ تعبنا من نقاش البديهيات حتى أصبح الأمر في منتهى اللا منطقية التي لن أستطيع أن أفهمها أبداً.

 

سأعلم ابنتى إنها ليست عاهرة، وإننى سأكون داعمتها الأولى والأساسية إذا ما لا قدر الله تعرضت لحادثة مشابهة، سأعلمها ألا تصمت، وأن تواجه الفضيحة بالفضيحة، لإن الفضيحة لا تنال الضحية، بل تنال الجانى، سأعلمها أن ترفع رأسها وأن تتخطى العنف الجنسى مهما حدث، ومهما قابلت من أصحاب التعليقات، أو سأهرب بها بعيداً عن أرض النفاق هذه!

اعلان

اهم الاخبار