الشعبوية الأوروبية والأمل الأخير

الشعبوية الأوروبية والأمل الأخير

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

20 مارس 2017

 

وضعت يدى على قلبى وأنا أتابع أخبار الانتخابات الهولندية الأخيرة، كنت خائفة، خائفة من أن أتعرض لنفس الصدمة التى تلقيتها فور معرفتى بخبر فوز ترامب كرئيساً للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كنت أثق ثقة عمياء لا ينتابها ولو واحد بالمائة من الشك فى فوز هيلارى كلينتون، فآثرت ألا أتوقع هذه المرة، وأن أترك الأمور للقدر ليضعها فى نصابها، سواء أكان صحيحاً أم خاطئاً، فماذا حققت لى التوقعات كل مرة غير خيبات الأمل المتتالية؟!

 

ولكن هذه المرة، أتت الرياح بما تشتهى السفن فعلاً، وزفت المواقع الإلكترونية والصحف العالمية خبر هزيمة خيرت فيلدرز إلى قلبى، لأبحث عن أقرب كرسى وأجلس عليه متنفسةً الصعداء، وكأنما كنت ألهث منذ مدة طويلة جداً!

 

رغم سوداوية المشهد، فثمة أمل أخير، يظهر فى استمرار صمود ألمانيا بقيادة ميركل ضد تنامى الشعبوية الأوروبية.

 

وإذا كان أحدهم قد سألنى منذ بضعة أعوام فحسب.. هل كنت أتابع انتخابات هولندا أم لا، لكنت أجبته بإنه ثمة أشياء أخرى أكثر أهمية فى حياتى حتى لا أُضيع جزء منها فى متابعة من يُسير أمور هولندا، كلعب الشطرنج أو تناول المثلجات على سبيل المثال، إنما اليوم، فى هذا العام تحديداً، مثلت معركة الانتخابات الهولندية مسألة حياة أو موت، ليس فقط بالنسبة لى، بل بالنسبة لكل عربى ومسلم، نظراً لما اعتراها من أهمية خاصة وحساسة بالنظر للسياق الذى أُقيمت فيه، حيث صعود اليمين المتطرف الذى يقتات على الخطاب الشعبوى وعلى شحذ عواطف الكراهية ضد كل من أراد له القدر أن يكون مسلماً أو عربياً أو مهاجراً إلى بلاد "البيض" بشكل عام، فضلاً عن كونها أول حلقة فى سلسلة طويلة من الانتخابات الأوروبية التى ستتبعها، والتى ستكون بمثابة البلورة الأساسية للشكل العام للميول الانتخابية ولمزاج الرأى العام فى أوروبا، ومن هنا أضحت نتيجة الانتخابات الهولندية هذا العام بمثابة ضربة فى جسد اليمين المتطرف المتصاعد بسرعة الضوء فى أوروبا، المنتشر كما الجراد إذا حل على منطقة، ليلتهم أخضرها ويابسها، ولهذا حبست أنفاسى أثناء خوض الحزب اليمينى وحزب الحرية والديمقراطية هذه الانتخابات فى هولندا، وتنفست الصعداء بمجرد رؤيتى لجملة هزيمة خيرت فيلدرز، واستطيع أن أجزم إننى لم أكن الوحيدة التى حبست أنفاسها فى العالم كله، ولم أكن الوحيدة التى تنفست براحة بعد النتيجة ايضاً!

 

نعم، اتخذت هولندا بهذه الانتخابات مكانة قوية بإعتبارها إما أن تكون حجز الزاوية الأساسى فى مقاومة صعود اليمين المتطرف لمن لا يرغب فى صعوده، وإما أن تكون بمثابة مقبلات لوليمة أكبر سيتناولها مناصرو اليمين المتطرف بإبتسامة واسعة ومخيفة، ولهذا اهتم الجميع بمتابعة ما يدور فيها عن كثب، وعلى عكس أكثر التوقعات التى راهنت على فوز اليمين المتطرف، اتت النتيجة صادمة وشافية للكثيرين ممن يحملون عبء تصاعُد اليمين على أكتافهم ليل نهار، ولا تظنوا إن الأمر سياسياً بامتياز ليكون من يحملون هذا العبء من المحللين والسياسيين والأكاديميين من الأستاذة والدارسين للعلوم السياسية، إنما أصبح الأمر مُتعلِق بمصير الآلاف ممن يجبون شوارع بلاد "البيض" كل يوم بحثاً عن العمل والرزق، وممن قيل لهم حان الوقت للعودة لأوطانكم، وهم لا يعرفون عن هذه الأوطان بديلاً أصلاً، أو ممن يُنتَهَكون يومياً لإن بشرتهم مائلة للسُمرة أو لإنهم يرتدون قطعة من القماش على رؤوسهم أو يتحدثون العربية أو يُمسِكون بمصحف، فلم يعد صعود اليمين المتطرف سياسة تخص شأن دولها فحسب، بل امتدت حتى تصل إلى عقر ديارنا!

 

ومع هذا، لايزال يوجد بعض الحالمين ممن ينظرون إلى الأمر باعتيادية، ويقولون لأمثالى من المتوترين بشأن الأمر هونوا عليكم، إن اليمين المتطرف لم ينل فى هولندا هذا العام سوى 20 مقعداً فقط فى البرلمان، لن يطول الأمر مجرد "جعجعة" فارغة من بعض الأحزاب التى لا تمتلك أى برامج انتخابية فتميل إلى استقطاب العامة بشعارات عن عودة الوطن إلى سكانه الأصليين وعودة العرق صافياً نقياً من الدنس –أى منا- وهؤلاء أطلب منهم أن ينظروا إلى انتخابات البرلمان الهولندية فى 2012، حيث حصل الحزب اليمين على 15 مقعد فحسب، نعم، زادت عدد مقاعده 5 مقاعد كاملة فى غضون 5 سنوات، ومن يعلم ما الذى يمكن أن يحدث بعد 5 سنوات آخرى، لربما نجد البرلمانات كلها قد استحالت يميناً فاشياً سيأخذنا واحداً تلو الآخر، إن الأمر بمثابة قنبلة موقوتة، لا يكفى النظر إلى عداد ساعاتها وطمأنة المحيطين بها إنه لايزال هناك وقت كافى لتعطيلها عن العمل، بل تحتاج إلى قطع أسلاكها وتفكيكها كلياً، وهو أمر لا أظنه سيتحقق، وهذه ليست سوداوية منى، وإنما معطيات المشهد فى العالم تحتم علىّ هذه النظرة الواقعية، نحن بإنتظار هتلر جديد، ولن يكفيه هولوكوست واحدة!

 

فى ظل هذه الظروف المتوترة، تأتى باقى الانتخابات الأوروبية القادمة فى مصاف أهم الأحداث العالمية، والتى بنظرة متمحصة نجد إن نتائجها فى فرنسا غير مبشرة بالمرة، وإن الحظ لن يكون مُتساهلاً معنا لمرتين متتاليتين، بحيث أعاد الشعبوية الكريهة إلى ثكناتها مؤقتاً، فمع اقتراب الانتخابات الفرنسية، نجد إنه من المرجح جداً فوز لوبان –زعيمة الحزب اليمينى المتطرف- بها، وهى تضع نصاب عينيها سياسة انتهاكية من الدرجة الأولى تجاه المهاجرين وتتخذ من محاربة التطرف الإسلامى منهجاً أساسياً لتدعيم قراراتها، وبهذا تكون الشعبوية قد ضحت بالمقبلات من أجل أحد أهم أطباق وليمتها الرئيسية!

 

ومع هذا، ورغم سوداوية المشهد، فثمة أمل أخير، يظهر فى استمرار صمود ألمانيا بقيادة ميركل ضد تنامى الشعبوية الأوروبية، حيث تبقى ألمانيا درع رئيسى فى مواجهة هذا الصعود السريع لليمين فى العالم الغربى بتبنيها سياسات غير مناهضة لللاجئين، ولربما هذا يفسر سر التوتر فى العلاقة بين ميركل وزعيم التطرف الأول فى العالم الغربى، ترامب، ولكن يظل الأمر مجرد وقت لحين انهيار هذا الدرع، ما لم تصحبه عوامل مساندة كهزيمة اليمين فى الانتخابات الهولندية.

 

اعلان

اهم الاخبار