قطعة شيكولاتة تثير شجون وطن

قطعة شيكولاتة تثير شجون وطن

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

13 مارس 2017

 

(1)

لم أعرف ما الذى يُفتَرَض بى التفكير فيه بعد قراءة خبر القبض على مواطن لسرقته لقطعة من الشيكولاتة بعد إلحاح طفله على رغبته فى تناولها وعدم امتلاكه لثمنها، هل أفكر فى مدى بؤس الحياة وقسوتها؟ أم فى مدى عدم إنسانية صاحب متجر كبير بما يدفعه لتحرير محضر ضد شخص ما سرق لوح من الشيكولاتة؟ أم فى الظروف الاقتصادية المبهرة فى بلادى، والتى أودت بثمن أصغر لوح من الشيكولاتة إلى الاقتراب من ال10 جنيهات؟ أم فى مدى إحساس هذا الرجل بالعجز وهو يرى نظرة اشتهاء الشوكولاتة فى أعين طفله دونما القدرة على أن يجلبها له؟ أم فى العار الذى لحقه جرّاء عدم عدالة هذا الوطن؟!

 

(2)

أعاد إلىّ هذا الخبر نظرة فرحة واشتهاء رأيتها فى أعين أحد العاملات بالكلية التى كنت أدرس بها منذ حوالى خمس سنوات، بعدما أعلنوا عن صدور أمور بضبط وإحضار عدد لا بأس به من رجال الأعمال وحيتان الأموال فى هذا البلد عقب ثورة يناير المجيدة، خصوصاً بعد أخبار عن القبض على مبارك ومحاولة استرجاع أمواله من بنوك سويسرا، وتناثر اشاعات حول توزيع أمواله هذه على الشعب، حيث أخذت تحسب نصيب كل فرد من هذه الأموال، وتحلم بما ستطوله منها، وما سيمكنها فعله بها، ستصلح شقتها وتُدخِل أولادها مدارس أفضل، تذكرت كل هذا إزاء معرفتى بخبر براءة مبارك، وعدم عودة أى من نقوده من الخارج، أو نقوده غيره من حيتان البيزنيس فى مصر، وعدم محاسبة أى أحد على تبديد المال العام، أو الاختلاس العلنى، أو كم الرشاوى الذى يُسَيِر عجلة الانتاج بأسرها فى هذا الوطن، والذى لم يقف عنده أحد أو يُساءِل فاعليه، لكنه وقف عند سرقة مواطن لقطعة حلوى من أجل طفله، وقرر أن يحبسه بهذا الذنب الفظيع الذى اقترفه، تماماً كما يسرق الشرفاء فيُترَكون، ويسرق الضعيف فيُقام عليه الحد!

 

الأمر لن يقف عند حد سرقة مواطن لقطعة حلوى من أجل طفله، إنما الأمر مجرد بوادر وعلامات لظواهر أكثر سوءً.

 

أغلب الظن، إن الأمر لن يقف عند حد سرقة مواطن لقطعة حلوى من أجل طفله، إنما الأمر مجرد بوادر وعلامات لظواهر أكثر سوءً، مُتغلغِلة فى بواطن المجتمع المصرى، نراها فى هجوم بعض المواطنين على منافذ التموين لسرقة السلع الغذائية، وفى قطع الطرق إزاء أزمة العيش الأخيرة، وسنراها فى سلوكيات أكثر قسوة وعنف، تترجم الضعف والعجز والحرمان الذين يعيشهم المصريون كأشياء عادية فى حياتهم اليومية، لكنها تزداد مع الوقت زحفاً إلى جميع نواحى حياتهم، ليختفى "الستر" منها، ويصبح الفقد والحاجة الملمح الرئيسى للعيش، ويصبح الجوع هو السمت الأساسى للحياة، ومن لا يعرف كيف يكون الجوع مُحركاً قوياً للقهر، الذى هو بدوره مُحرِك للعنف، والذى سيشعل النار بنفوس كل ما أحس بظلم المجتمع جرّاء صوت تحرك أمعاء أولاده من الجوع، ويخرجهم من مكامنهم، وليتناولوا كل ما تسول لهم أنفسهم أخذه، بل ليتناولوا غيرهم من البشر إن استطاعوا لذلك سبيلاً! فثورة الجياع أقل سيناريو بائس يمكن تصوره لما يحدث الآن!

 

(3)

كانت رواية عطارد للكاتب محمد ربيع من أقسى الروايات التى قرأتها فى حياتى، لكنه لم يسعنى أن أتخيل مشهداً مستقبلياً واقعياً لواقع مصر بعد قراءتها غيرها، برغم كل ما تحمله فى طياتها من عنف قد يبدو صعب التحقُق، إلا إنه ببعض القراءة المتأنية لمعطيات واقع المجتمع المصرى الآن، سنجد إنه بحلول عام 2025 سنجد مشهد لا يفرق كثيراً عن ثورة الباستيل، تملأ فيه الدماء الشوارع، ويقتات فيها الشعب على بعضه بعضاً لإنه لا يجد ما يمكن أن يأكله، يُسرَق فيه كل شىء من أجل الطعام، بل وتُسرَق الجثث فى وضح النهار على مرأى ومسمع من الجميع لتؤكل، أو مشهداً من مشاهد الشدة المستعصمية، حيث انتهى الناس لأكل البشر بعد أن أتوا على الدواب بأنواعها من شدة الجوع!

 

سيرى كل أولئك يوماً إن قهر أب غير قادر على شراء رغيف عيش أو قطعة شيكولاتة لأولاده أو تعليمهم أو علاجهم سيحيل حياتهم إلى جحيم.

 

وبالرغم من إن بطل الرواية ينتمى إلى تلك الطبقة التى تعيش على فتات اللصوص من الأعنياء، اولئك الذين يسرقون –على عكس لصوص الفقراء- بإرادتهم ورغبتهم فى السرقة ذاتها، لا لإشباع جوع أو الاحساس بالحاجة، وإنما لإن الشهية تأتى مع الأكل، فمهما أكلوا لا يشبعوا، إلا إنه يُبرر لهم، ويعمل –كغيره من المنتمين لطبقته- على تحويطهم بأسوار لحمايتهم من أخطار الطبقات التى تسرق لا لشىء إلا لأنها معدمة، موقناً بواجبه فى هذا، ممتلئاَ بنظرة احتقار لهؤلاء المعدمين، مؤمناً بوجود الفتك بهم والتخلص منهم بسبب عنفهم وغوغائيتهم، غير ناظر إلى إنهم لم يتحولوا إلى هؤلاء القساة معدومى الإنسانية إلا بممارسات قاسية معدومة الإنسانية تماثل ما يفعلونه الآن، ناكراً لإنه فى النهاية -هو ومن يحميهم- لا يحصدون إلا ما زرعوه، ولا يضعه أمام حقيقة الأمر إلا تصاعد الأحداث إلى وتيرة يصفها فى نهاية الرواية بال"جحيم"، جحيم دائم لا ينقطع، أزلى وأبدى، حيث يقيم فيه خالداً، بل إنه ابن الجحيم ذاته!

 

نعم، سيرى كل أولئك يوماً إن قهر أب غير قادر على شراء رغيف عيش أو قطعة شيكولاتة لأولاده أو تعليمهم أو علاجهم سيحيل حياتهم إلى جحيم، بل سيدركون وهم يترجون من أجل البقاء على قيد الحياة أمام غيرهم من الجثامين الممتلأة بالعز إنهم أولاد الجحيم ذاته!

 

اعلان