ماجستير للبيع !

ماجستير للبيع !

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

06 مارس 2017

 

(1)

أجلس فى إحدى مراكز الطباعة والكتابة الالكترونية محاولةً الانتهاء من وضع الرتوش الأخيرة على بحث نهاية الترم الأول فى أحد مواد سنتى التمهيدية بالماجستير، وفى ظل انهماكى الشديد وتركيزى الذى حاولت آلا يُشتته أو يقطعه شىء، شدنى حوار دائراً بين مالكة المركز وبين رجل يبدو عليه الوقار بصوت عال انتزعنى من تركيزى، حيث كان يخبرها إنه دكتور فى القانون، ولديه الكثير من الأبحاث "بالكوم" يود بيعها لها، فى كل أفرع القانون، إدارى جنائى دولى.. الخ الخ، فضلاً عن هذا فلديه مُلخصات رائعة فى كل شىء يخص كلية الحقوق، وهو على أتم استعداد لبيعها بالسعر المناسب، قالت له إنها تحتاج أبحاث ذات أحجام كبيرة ورسائل علمية كثيرة فى القانون الجنائى، لأن "عليها الطلب"، وسألته إذا ما كان عارفاً ب"نظام البيع"، فضحك قائلاً "احنا بنفتح باب رزق وشغل مش هنختلف"، وعن السعر فكل شىء له ثمنه والشغل الجيد يفرض نفسه، ثم ترك لها الكارت الخاص به حتى يتسنى لها الاتصال به لاحقاً ورحل وسط دهشتى الشديدة وعدم قدرتى على النطق!

 

نظرت إلى بحثى الموضوع أمامى على شاشة الكومبيوتر فى أسى، وتساءلت، هل يأتى اليوم الذى يكون لدى فيه أبحاث "بالكوم" للبيع لأتكسب منها لقمة عيشى؟

 

لا أحد ينظر إلى كم المعاناة والمجهود والنقود المبذولة فى سبيل المحاولة لتحقيق أى إنجاز فى بلد مضنى مثل مصر.

 

(2)

لم تكن هذه المرة الأولى التى أذهب فيها إلى معرض الكتاب، لكنها كانت المرة الأشد قهراً وبؤساً، لمرورى بجناح لدار غير معروفة، تبيع رسائل الماجستير والدكتوراة بعشرة جنيهات للرسالة، فأخذت أُقلِب فيها، لأجد إنها رسائل مُتقَنَة ومهمة  للغاية فى الفلسفة والقانون والعلوم السياسية، لكنها مُلقاة على الأرض دونما أى اهتمام من أحد، يترجى البائع المضطلع بشئون الجناح المارين لشرائها، ولا أحد يلقى لها بالاً، بينما يصطف المئات حول دار آخرى فى الجهة المقابلة، تحتفل بحفل توقيع أحد كُتاب الفيسبوك المشهورين، وسط احتفاء شديد من الجميع وسيلفى كل خمس دقائق.

 

لم أعرف ما الذى يتوجب علىّ فعله، رغبت فى شراءها جميعاً لكنى لم اُفلِح لكثرتها ولثُقلِها، فذهبت مُسرعةً قبل أن ينخر الحزن قلبى على مجهود السنين الذى يُباع الآن على الأرصفة سُدى، وتمنيت آلا أجد رسالتى ملقاة يوماً بينهم!

 

(3)

كنت انتظرها فى طاولتنا المعتادة بالمقهى الذى نلتقى فيه دائماً، حتى دلفت إليه، وسارت متثاقلة إلى أن وصلت إلى طاولتنا، يبدو عليها الإرهاق والتعب الشديد، وتتمكن الهالات السوداء من عينيها، بل أظن من ملامح وجهها كلها، وقبل أن أسألها عما بها قالت "الماجستير هايموتنى"، فضحكت وأخبرتها إن هذا حالنا جميعاً، قالت "لا.. الأزمة عندى إننى أعلم إن ماجستيرى لن يودى بى لشىء، فهو مجرد درجة علمية اسمية، تمنحنى المكانة والقدرة على ان افتتح عيادتى الخاصة، لكنه لا يجعلنى طبيبة أفضل أو أكثر علماً، ومن ثم أشعر بإنى مجهودى هذا جزء من فيلم طويل عنوانه ذهب مع الريح، والمشكلة الأكبر ليست فى هذا فحسب، فإن من يتولون الاشراف على الرسائل الطبية فى كليتنا الحبيبة لا يدعون لكِ أى فرصة للاختيار، وإنما يحددون مواضيع رسالتك وفق أهوائهم الخاصة، حتى لو لم تتناسب مع تخصصك! ما يهم هو أن يفرض عليكِ هذا الدكتور الذى يستشعر إنه أُتى من العلم مداه وأرتدى ثوب رهبان التبت ووصل إلى الحكمة الخالصة المجردة وجهة نظره، وأن تصفقلى له وكأنما قد سمعتِ ما أفحمك من العلم وما أطربك من المعرفة، فتظلين دائرة فى المكتبات تتلمسين المراجع فى الموضوع الذى وقع عليه اختياره وإن لم يعجبك! وتسبحين بحمده ليل نهار لإنه قبل الإشراف على رسالتك، هذا وإلا تذهبين لتقميع البامية فى منزلك، هو أفضل لكِ من كل هذا اللاشىء يا عزيزتى".

 

حمدت الله إننى لم التحق يوماً بكلية الطب، وإن كليتى النظرية التى لا يستشعرون قيمتها لايزال فيها مكاناً رحباً للعلم ومساحة من الإبداع، وإن لم يُترَك لنا فيها أى خيار للإدلاء بآرائنا فيما يخص التحليل السياسى لمصر، فنحن لا نتناول إلا كل ما هو خارج عنها، وإذا ما اضطرتنا الأمور لأن نتناول مصر بالتحليل، نغنى جميعاً "عشان ما نعلى ونعلى ونعلى لازم نطاطى نطاطى نطاطى"!

 

(4)

يظن الجميع حين تخبرهم إنك تُعد الماجستير أو الدكتوراة إنك على الأرجح شخصية لا يشغلها أى شىء فى الحياة قررت أن تُسلى نفسها قليلاً بشىء عليه القيمة بدلاً من مشاهدة التلفاز وقزقزة اللب، خصوصاً إن كنت امرأة، ينظرون إليك نظرة "آهى بتشغل نفسها على ما تلاقى ابن الحلال"، إما هذا وإما يستشعرون إنك لديك من المال ما لا تعرف أين تنفقه!

 

لا أحد يعبء بماجستيرك، إلا إذا كان للبيع.

 

لا أحد ينظر إلى أوضاع حملة شهادات الماجستير والدكتوراة ولو ببعض الاهتمام، فالتعليم فى بلادنا قاصر على الشهادة التى تُمكنك من السير بين الناس بدون أن يزدروك أو يتهامسوا عليك، حيث يعاملونك على إنك ذو تعليم عالى، ومن ثم تتساوى الرؤوس، أما إذا طمحت لأبعد من هذا تصبح فى نظرهم أبله، وبالطبع لا أحد يلومهم على هذه النظرة، إذا كانت رسالتك فى النهاية مُعرضة لأن تُلقى على الرصيف أو تُباع بالثمن الذى يليق بها إذا عرفت كيف تسوقها كأستاذ القانون إياه.

 

لا أحد ينظر إلى كم المعاناة والمجهود والنقود المبذولة فى سبيل المحاولة لتحقيق أى إنجاز فى بلد مضنى مثل مصر، ولا الدولة تهتم بحفظ حق اولئك الذين كدوا لتحقيق المعرفة فى قدرتهم على التعيين ونيل المكانة العلمية والأدبية المستحقة، لا أحد يعبء بماجستيرك، إلا إذا كان للبيع!

 

اعلان

اهم الاخبار