بوادر الحكم الثيوقراطي وواقع مصر البائس

بوادر الحكم الثيوقراطي وواقع مصر البائس

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

27 فبراير 2017

 

(1)

أتصفح المواقع الاخبارية موقعاً تلو الآخر فى نهم شديد لآخر المستجدات، أملاً فى أن أجد خبراً يُثلِج صدرى ويهدئ من روعى، لكن الأمر يزداد سوءً، وأعداد الأسر المُهجَرة قسرياً من منازلها بسيناء يزيد مع كل ضغطة على زر "التحديث" بمواقع التواصل الاجتماعى التى تتناقل صوراً لأناس يحملون أمتعتهم على رؤوسهم وحيواتهم على كفوفهم، يهربون بها من مصير مجهول لا يُرَى من بين ثناياه سوى الموت، يبحثون عن مأوى يحتمون فيه من الخوف والترويع، وسط استغاثات من المُعاينين للوضع بطلب المزيد من أدوية الأطفال ومرضى السكرى والزهايمر وطعام المعلبات والنواشف.

 

وما بين هذه الأخبار وتلك الاستغاثات، تذوب كل مفاهيم المواطنة ومعانى الانتماء فى نفوس الأسوياء، بينما يُهلل لها الكثير فى أغلب التعليقات على هذه الأخبار، مُكبرين لعظمة "الدولة الإسلامية" التى ستعود من جديد، ولراية "الإسلام" التى سترفرف على منابرها، والتى ستقضى على عُباد الصليب هؤلاء، الذين دمروا الأمة، غير منتبهين إلى أن ما يحدث من إرهاب الآن وما سيتطور بناء عليه من آثار ستأكل الأخضر واليابس، وستطول المسلمين قبل أن تطول المسيحين!

 

كيف لمن لم ينفض الدماء على كفيه أن يكون بطلاً شعبياً مغواراً يسير فى جنازته المئات؟!

 

(2)

لم أكد أتناول حبوب لصداع رأسى الذى أصابها جرّاء هذه التعليقات العنصرية القميئة، إلى أن صادفتنى صورة لجنازة عمر عبدالرحمن الجهادى المخضرم من مسقط رأسه، يسير خلفها المئات، باكين لاطمين وجوههم، رافعين لافتات "فى الجنة يا شيهد"، وبالرغم من إيماني من أن الموت يُضفى قدسية على الأشخاص، ويجعل أعمالهم بين يدى الله وحده ليحاسبهم عليها، إلا أن هذا الخروج المهيب قد وضعنى فى حيرة من أمرى، فكيف لمن لم ينفض الدماء على كفيه أن يكون بطلاً شعبياً مغواراً يسير فى جنازته المئات؟!

 

(3)

رأيت منذ قليل خبراً لا أعرف مدى صحته بعد، وأتمنى أن يكون كذِباً بيناً أو محض إشاعة، حيث يُقال إن تنظيم الدولة الإسلامية قد فرض النقاب والخروج بمحرم على المعلمات فى المنطقة، وإنه حال تجمعهن أمام المحافظة طلباً للاستغاثة بالمحافظ ومقابلته ردهن خائبات، حيث لم يوافق على مقابلتهن، وبين شعورى بالحنق والخيبة، تساءلت وماذا عساه أن يفعل لهن المحافظ، إذا كانت الدولة بأكملها متقاعسة عن إيجاد حل لمأساة سيناء بأسرها، لا لبضعة نسوة سيُفرَض عليهن ضرب النقاب، بالرغم من استمدادها لشرعية حكمها على مدار أربع سنوات من مبدأ "الحرب على الإرهاب"، الذى فلقوا رؤوسنا به ليل نهار، ولم يتحقق منه فى النهاية شىء!

 

ترآى لعينى تمدُد تنظيم الدولة الإسلامية فى سيناء على مدار الجمهورية المصرية، إلى حد تمَكُنه من مدينتى الصغيرة، ترآى لعينى خروجى لعملى مرتديةً النقاب غصباً، أو خروج فتيات لم يخطين لأعتاب المراهقة حتى يرتدين الحجاب والأخمرة فرضاً، ترآى لعينى أقليات دينية نازحة عن بيوتها، غير آمنة على عرضها أو أموالها، مقتولة أو مذبوحة أو محروقة أو مشنوقة، كل هذا وسط صيحات تهليل بعضهم لرجوع "الإسلام" إلى مصر وعودة الأمور لنصابها!

 

ترآى لعينى سوريا جديدة، بدأت بقلة مندسة تدعى امتلاك حكمة الله فى الأرض، وفرضها لهذه الحكمة الربانية –من وجهة نظرهم- على العباد والبلاد، وبوجود المناخ المناسب، وصلت هذه القلة لجماعة والجماعة لتنظيم يأكل فى الدولة أخضراً ويابس! ترآى لعينى واقع تحققه أرعبنى، ووضعنى أمام سيناريوهات عديدة لا أرغب فى مجرد تخيُل حدوثها فى مصر!

 

(5)

تمتلأ الأصداء الثقافية من حولى فى مصر، ومذ أن كنت طفلة، بحديث عن وحدة الهلال والصليب، أخذت مواد كاملة عن التربية الوطنية والقومية، ونجحت فيها بامتياز، لكن معلوماتى عن المواطنة لم اكتسبها سوى بعد سنين من طرد الفكر العنصرى المتأصل فى نفسى والمترسخ فى ذاتى الناجم عن ثقافة هذا المجتمع المُحرِض على أى شخص وكل شىء مختلف، لكنه اغلب الظن لم يُطرَد بعد من نفوس الجميع، فلايزال البعض قادراً على رؤيته كالخلاص والأمل فى كيان ممسوخ يُعد فى نظرهم "أمة إسلامية".

 

بوادر التهليل للحكم الثيوقراطى اللعين متأصلة فى نفوس البعض من المصريين قبل أن يكون هناك تنظيماً للدولة الإسلامية فى سيناء.

 

من يظن إن بوادر الحكم الثيوقراطى القائم بسيناء هو حديث العهد بمصر، مُتحدِثاً عن عناق الهلال والصليب وقبلات الباباوات والشيوخ بالأعياد الوطنية وحشر خروج الناس فى ثورة 1919 يد بيد هو محض يوتوبى يُعانى من عدم الإدراك الصحيح للأمور، أو من صدمة عصبية أفقدت عقله القدرة على التصديق بإن هذا يحدث فعلاً، نعم، فلننظر حولنا بتأمُل العاجزين، لنجد إن بوادر التهليل للحكم الثيوقراطى اللعين متأصلة فى نفوس البعض من المصريين قبل أن يكون هناك تنظيماً للدولة الإسلامية فى سيناء، وبإنه ما زاد الطين بلة إلا تجاهُل واضح للأمر من قِبل المضطلعين بالمسئولية تجاهه، ولربما هذا ما يدفعنى إلى اليقين بالمستقبل الأسود الذى أتغافل عن تصديق حدوثه منذ مدة، والذى أصبح يفرض نفسه بقوة فى عقلى التعِس، والذى آمل آلا يقودنا له حظنا العاثر المتخبط ما بين إدارة غير قادرة على الاضطلاع بمعالجة الأزمة، وإنما مُستغِلةً لها كهدف مُعلَن يُخبِئ بين ثناياه أهداف آخرى شديدة السلطوية، والمتشرذم ما بين وجود مؤمنين بضرورة تصحيح الوضع القائم بمثل ما يحدث فى سيناء، وما بين تجاهُل هذا الوجود وهذا الإيمان الذى قد يدفعهم للإنضمام لمثل هذا التنظيم، حتى لا نصحو صباحاً على واقع اشد بؤساً مما نحن فيه!

 

ولا أعرف حقاً، أيكون تمنى الهروب إلى الخارج رغم العجز عن تحقيقه فى هذه الحالة نصف الجدعنة، أم الجدعنة كلها؟!

 

اعلان

اهم الاخبار