إلى ابنتي

إلى ابنتي

آلاء الكسباني

آلاء الكسباني

13 فبراير 2017

 

ابنتى العزيزة..

تحية طيبة، وبعد...

 

أكتب إليكِ وأنت لازلت مجرد فكرة، فكرة تخطر ببالى كل حين وآخر، فأرفضها رفضاً قاطعاً فى كثير من الأحيان، وأقبلها بحب شديد فى أحيان أكثر.

 

وأنا لا أرفضك لأننى لا أرغب بكِ لا سمح الله، أو لعيب فيكِ، فأنا على ثقة بإنكِ ستكونين أجمل البنات، وإنما لخوفى من فكرة الإنجاب فى حد ذاتها، من المسئولية التى ستترتب علىّ إذا ما جلبتك لهاذا العالم الموحش، لخوفى من عدم قدرتى على تربيتك بشكل صحيح، لخوفى من خذلانك يوماً، ولأن قلبى لا يُطاوعنى لأقدم على ارتكاب فعل أنانى ومتوحش كإنجابك فى بلدٍ مثل وطنى، لأن المرأة فى وطنى يا ابنتى لا تستطيع أن تحيا بسلام، تكابد الألم فى كل لحظة مذ أن تُولَد هنا، تُمضى حياتها بغير حب، تُحرَم من الدفء والأمان، تظل تحارب كل شىء، بل ومن أجل كل شىء، حتى ولو كان تافهاً وبسيطاً! وبالرغم من كل هذا، تسرى بجسدى رعدة خفيفة إذا ما فكرت إنه يمكن أن يُبدلنى الله بذكر بدلاً منكِ، فأنا لا أريد سواكِ، ولا تغمرنى الأمومة إلا حين أتخيلكِ تجلسين بحضنى لأضفر لكِ شعركِ الأسود اللامع، واضعةً به شرائط من الورود الحمراء البهية، التى تشبهكِ كثيراً.

 

سأحاول أن أُجنِبك ما تكابده النساء فى بلادى من عنف نفسى وعقلى وجسدى ومعنوى.

 

ابنتى الحبيبة...

أكتب إليكِ رسالتى متمنيةً أن تقع فى يدك يوماً ما، وتحديداً فى اليوم الذى تكونى قد نضجت فيه بما يكفى لقراءة هذه السطور، لإنها سطور قاسية بعض الشىء، لن يستطيع عقلك استيعابها إذا ما كنتِ مازلت صغيرة عند قراءتها، بل إن عقلى أنا لايزال لا يستوعبها حتى الآن، بالرغم من مرور ثلاثة وعشرين عاماً علىّ فى هذا البلد، ثلاثة وعشرون عاماً من القهر، اكتسبت فيها أغلب الخبرات والمهارات الممكنة فى الدفاع عن النفس وأخذ الحق بالقوة، ثلاثة وعشرون عاماً لا أتمنى أن تمرى بهم قط، ولو كان الأمر بيدى لكنت هربت بكِ ومعكِ بعيداً عن هنا، إلى وطن آخر يحتوينا ويحترم حقنا فى الحياة، نعم يا حبيبتى، فالوطن هو من يمنح الإنسان الكرامة، وليس من يسلبها منه، الوطن ليس بالمَولِد فيه أبداً يا ابنتى، بل بالقدر الكافى من الآدمية والحب الذى يستطيع أن يمنحك إياه!

 

لا أعرف متى سأنجبك، يظل هذا فى علم الغيب، يقولون إن المستقبل يحمل فى طياته الكثير من التغيير على ملامح أى شىء، لكنى لا أعقد أى آمال على المستقبل هنا، لأنه يخذلنى دائماً، فأغلب الظن ستكبرين كما تكبر أى امرأة هنا، حين تولدين، سيربتون على كتفى، ويطمئوننى بإننى سأنجب "الولد" المرة القادمة، بلهاء، لا يعرفون كم انتظرتك! سأحرص كل الحرص يا حبيبتى أن يكون أبوك رجل على قدر من الثقافة والتنوير، رجل يحبك ويقدرك منذ اللحظة التى تولدين فيها، ولذلك سيتجهم وجهه إذا ما أخبره أحدهم "إن شاء الله المرة الجاية ولد"، ثم ستكبرين أمام أعيننا يوماً تلو الآخر، وتذهبين إلى المدرسة، سأحاول بقدر الإمكان أن أنتقى مدرستك بحرص زائد، لأضمن آلا يتحرش بكِ مدرس مخبول، وآلا تضربك معلمة لا تعرف كيف تتعامل مع الأطفال، سأقف معكِ أمام المرآة كل صباح، لنمشط شعرك الجميل، ولأخبرك كم أنتِ رائعة وذكية ومهمة، سأخبركِ كل يوم كم تجعلينى فخورةً بك، سأدرس اهتماماتك بعناية، ولن أحرمكِ منها أبداً، سألحقك بمدرسة لتعليم الباليه أو البيانو أو الكونغ فو أو الركض أو السباحة، أو أياً كان الذى تهويينه، سأقرأ لكِ يومياً حتى يتوسع عقلك الصغير ليرى الحياة بصدق منذ نعومة أظافرك، لن أجعل الواجبات المدرسية الشاقة تؤخرك عن اللعب والحركة، ولن أحرمك لعب الكرة أو الاستغماية فى الشارع إذا ما أردتِ، اسمحى لى أن أراقبك من شرفة منزلنا فحسب، لأحميكِ إذا ما تحرش بكِ أى ذكر بالغ غير ذا عقل.

 

ستصبحين مراهقةً جميلة، لكنى لن أسمح بتختينك البتة، حتى إذا انقلبت الدنيا رأساً على عقِب، لن أعاقبك إذا ما سألتينى عن الجنس، سأحاول قدر الإمكان أن أشرحه بطريقة تتناسب مع حداثة سنك، سأخبركِ كل الأسرار عن دورتك الشهرية وآلامها، لن أنهرك أبداً بأى وصف لا تحبينه، لن أخدشك ولو بكلمة، سأحبك دائماً كما أنتِ، ستظلين أنتِ الأجمل بعينى،  سواء كبرتِ لتكونى ممتلئة مثلى، أو نحيفة مثل خالتك.

 

كم ستكون سعادتى كبيرة إذا ما أخترتينى أنا لتحدثينى عن حبك الأول، وعن الشاب الذى اختاره القدر لتفقدى معه عذرية قلبك ومشاعرك، سأشاركك الابتسامة الرقيقة الصافية المرسومة على شفتيك عند ذكِر اسمه، سأحاول أن أعرفه عن قرب لأتقرب إليكِ، ولأحميكِ إذا ما كان شاباً لعبياً يلهو بقلوب الفتيات، أو يسوقهن بإسم الحب إلى فخ الحب الممنوع، وإذا ما كُسِر قلبك الرقيق ستجدينى دائماً هنا من أجلك، سأضمك بكل قوتى لينسرب الألم من بين أضلعك إلى ضلوعى، فأحمله وحدى عنكِ، لتقدرى على الحب من جديد.

 

لن أُراقبك أبداً، لن أفرض عليكِ حصاراً، سأنتظر حتى تأتى إلى ذراعىّ لتخبرينى ما شِئتى، سأعلمك أن تصنعى مساحتك الشخصية الخاصة، وسأحرص على إحترامها وإحترام خصوصيتك، لن أعايرك أبداً بالوقوع فى المشاكل أو بإرتكاب الأخطاء، سأساعدك لنحلها سوياً، سأخوض معكِ كل الخذلان الذى ستتعرضين له من الآخرين، وسأعيش معكِ كل فرحة بإنجاز أو تفوق أو صداقة جديدة تكونيها، سأكون لكِ دائماً نعم السند وحسن الرفقة.

 

وإذا ما تعرضتِ للتحرش فى طريق عودتك للمنزل أو فى المواصلات أو من دكتور مريض عُين بمحض الواسطة فى جامعتك لن ألومك أبداً، سأدعمك بكل قوتى لتأخذى حقك من أى شخص تسول له نفسه أن يعتدى عليكِ، لن أجعلك تخافى من أن تطلبى الشرطة لأنه إذا حضرت سيحضر بالضرورة أهلك وسيلعنون اليوم الذى أنجبوا فيه انثى، لن أتحكم فى شكل ملابسك، ولن أُعلِق شماعة الانتهاكات الجسدية والجنسية التى ستلاقينها فى الشارع عليها، آسفة يا حبيبتى، لن يسعنى حمايتك إلى القدر الذى سيجنبك هذه الانتهاكات، لكنى أعدك أن أكون دائماً بجانبك إذا حدثت.

 

قلبى لا يُطاوعنى لأقدم على ارتكاب فعل أنانى ومتوحش كإنجابك فى بلدٍ مثل وطنى، لأن المرأة فى وطنى يا ابنتى لا تستطيع أن تحيا بسلام.

 

وحين تصبحين شابة ناضجة، سأقنعك قدر المستطاع آلا تتزوجى إلا حين تصبحين امرأة مستقلة مادياً وعاطفياً، سأقنعك أن يكون لكِ كيانك المتفرد الخاص المستقل الذى لا يستمد قوته من أى أحد سواكِ، سأقنعك آلا تلعبى فى حياتك إلا دور البطولة، وآلا تكونى ممثل مساعد أبداً، سأعلمك آلا تعتمدى على أى حد سوى نفسك، ولا حتى أنا، حتى لا يتحكم فيكِ أحد، أو يبتزك باسم المادة أو العاطفة، أو أن يُطالبك بالطاعة العمياء والانصياع المطلق، فيقايضك بحريتك وراحتك وقراراتك على الأمان والسُكنة المزيفة، سأعلمك أن تناضلى لحقوقك وحقوق بنات جنسك، سأعلمك أن تنجحى فى عملك، وأن تطالبى بترقيتك على زملائك من الرجال، سأعلمك أن تُثبتى ذاتك فوق أى اعتبارات جنسانية، سأجعلك أقوى مهما أضعفوكى، أقوى مما كنت أنا عليه حتى!

 

سأحاول أن أُجنِبك ما تكابده النساء فى بلادى من عنف نفسى وعقلى وجسدى ومعنوى، صدقينى سأحاول وإن كانت بلادنا أشد بؤساً وقهراً علينا حين تأتين إلى هذا العالم، سأحاول بقدر ما أستطيع إليه سبيلاً، لأننى سأحبك ما حييت!

 

اعلان

اهم الاخبار