دونالد ترامب ومواقفه المتناقضة

دونالد ترامب ومواقفه المتناقضة

رجائي فايد

رجائي فايد

19 مايو 2017

 

بعيدا عما أعلنه ترامب إبّان معركته الانتخابية من وعود سينفذها بمجرد وصوله للبيت الأبيض، وعندما وصل لم ينفذها، ومنها تحويل كلينتون للقضاء ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وغيرها من وعود، فإن ذلك يؤخذ في إطار ما تعود عليه العالم من تبخر الوعود الانتخابية بمجرد فوز صاحب تلك الوعود، إلا أننا سنتوقف عند تناقض حاد لترامب في مواقفه من أكراد سوريا، والذى ظهر خلال الأيام الماضية.

 

الولايات المتحدة في عهد أوباما لم تكن تخفى دعمها لأكراد سوريا، ولكنها كانت تضع في حسبانها علاقتها الاستراتيجية بتركيا، وأعلنت عن ذلك كثيرا، لذلك كانت بين حين وآخر تتحفظ على بعض خطوات أكراد سوريا السياسية، وبالذات عندما أعلنوا فيدرالية شمال سوريا (روج أفا)، لكن الأمر اختلف كثيرا مع وصول ترامب إلى الرئاسة، فقبيل اجتماعه مع أردوغان فوجىء العالم بإعلانه عن تزويد وحدات حماية الشعب (الكردية) بالسلاح، من أجل مساعدتها على قتال داعش وتحرير الرقة من هذا التنظيم، واعتبرت تركيا أن هذا القرار موجه ضدها وضد أمنها القومى، فليس بخاف على أحد الرباط العضوى بين أكراد سوريا وحزب العمال الكردستانى (PKK)كيان واحد، وحزب العمال الكردستانى المحظور يقاتل منذ عقود في جنوب شرقى تركيا، وكبد تركيا خسائر فادحة في الأرواح، فضلا عن الدمار الناتج عن التفجيرات التي يقوم بها، وبالتالى فإن أى سلاح يصل لهذه الوحدات مهما كانت مبرراته، هو تقوية لحزب العمال، وبما يهدد الأمن القومى التركى، بل إن هذا السلاح سيقوى أيضا من شوكة حزب الاتحاد الديموقراطى (الكردى)، وبما يساعده على تحقيق طموحه في دعم فيدراليته، وربما يصل ذلك إلى درجة الانفصال وتكوين دولته الكردية في شمال سوريا، وهو ما تقف ضده تركيا على طول الخط.

 

ولأن تركيا ترتبط مع الولايات المتحدة بمعاهدة حلف شمال الأطلسى (الناتو)، وميثاق هذه المعاهدة يلزم واشنطن بتعزيز أمن الحليف التركى، وبالتالى عدم دعم التنظيمات التي تهدد ذلك الأمن، فضلا عن أن حزب العمال الكردستانى مصنف أمريكيا كمنظمة إرهابية، لذلك فقد اتهم تقرير تركى الولايات المتحدة بانتهاك ميثاق هذا الحلف بقرار التزويد بالسلاح.

 

ولو عقدنا مقارنة سريعة بين علاقة الولايات المتحدة بكل من تركيا والأكراد، سنجد أن تركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة، وهي عضو في حلف الناتو الذي تتزعمه واشنطن منذ عام 1952، أي بعد ثلاث أعوام فقط على تأسيسه، لكن علاقة الولايات المتحدة بالأكراد تعد طارئة، ولها تاريخ مع الأكراد حافل بالمتناقضات، فكثيرا ما كان يبدو أنها تؤيدهم لكنها كانت سريعا ما تتخلى عنهم، بل وتحيك المؤامرات ضدهم، فلا يمكن للأكراد نسيان دور واشنطن التاريخي، وتحديدا دور وزير خارجيتها هنري كسنجر، في اتفاقية الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين، وما تركته تلك الاتفاقية من آثار سلبية على ثورة مصطفى البرزاني، ولا يمكن أن ينس الأكراد خصوصا في سوريا وتركيا دور المخابرات الأميركية في اختطاف زعيم حزب العمال الكردستاني (عبد الله أوجلان)، من العاصمة الكينية نيروبي في فبراير1999، وتسليمه للمخابرات التركية، ومما يدعو للتأمل، أن ترامب وقبيل زيارة أردوغان استدعى الثعلب العجوز كيسنجر إلى البيت الأبيض، طالبًا مشورته في عدة ملفات، لعل أبرزها الملفين التركى والكردى.

 

وفي محاولة لطمأنة تركيا بخصوص قرار تزويد وحدات حماية الشعب بالسلاح، فقد أعلنت الولايات المتحدة أن هذا السلاح لمعاونة وحدات حماية الشعب في عملية تحرير الرقة، وليس لأى غرض آخر، وبالتالى فإنها ستسترد تلك الأسلحة بمجرد تحقيق هذا الهدف، إلا أن أحد ممثلي حزب الاتحاد الديموقراطى (الجناح السياسى لوحدات حماية الشعب)، كتب في صحيفة نيويورك تايمز في اليوم الذي قررت فيه الإدارة الأمريكية تسليح الحزب بشكل مباشر، دعا فيها الولايات المتحدة لعدم التخلي عن الحزب بعد انتهاء الحرب على تنظيم الدولة.

 

بعد هذا العرض السريع لتعقيدات المشهد بشكل عام نأتى إلى المؤتمر الصحفى المشترك بين ترامب وأردوغان بعد انتهاء اجتماعهما، والذى ظهر فيه التناقض الحاد في مواقف ترامب، ففي الوقت الذي قال فيه أردوغان، (ليس هناك مكان للمنظمات الإرهابية في مستقبل منطقتنا)، وكان يشير بمقولته إلى وحدات حماية الشعب الكردية السورية، ولم يبد ترامب اعتراضا على تلك المقولة بل قال (لقد كان لدينا علاقة عظيمة وسنجعلها أفضل)، ثم قال مقولته التي شكلت التناقض الذي نشير إليه(ندعم تركيا في حربها ضد داعش وحزب العمال الكردستاني)، بعد ذلك أصدر البيت الأبيض بيانا جاء فيه إن ترامب (أكد أيضا التزام الولايات المتحدة بأمن تركيا حليفتنا في حلف الناتو وضرورة العمل معا لمواجهة الإرهاب بجميع أشكاله).

 

من هنا كان التناقض الحاد في مواقف ترامب من هذه القضية الشائكة، هل هو يدعم وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستانى المصنف أمريكيا كمنظمة إرهابية وبما يؤثر في الأمن القومى التركى، لدرجة أن المراقبين اعتبروا ذلك خطوة على فك الارتباط الأمريكى التركى، أم أنه يدعم تركيا في مواجهة هذا الحزب وكافة المنظمات الإرهابية، لأن تركيا بالنسبة لأمريكا هي الأهم، وقال محلل سياسى أمريكى تحليلا لذلك، إنها قلة الخبرة في عالم السياسة، فعالم السياسة يختلف عن عالم المال الذي برع فيه ترامب.

 

اعلان

اهم الاخبار