قراءة لمشهد مظاهرات بغداد

قراءة لمشهد مظاهرات بغداد

رجائي فايد

رجائي فايد

17 فبراير 2017


من جديد يتصدر الزعيم الشيعى مقتدى الصدر المشهد السياسى العراقي، عندما احتشد أنصاره (التيار الصدرى) بأوامره، وتظاهروا في بغداد مطالبين بتعديل قانون الانتخابات العراقية، وتغيير تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، ثم بالإصلاح وملاحقة الفاسدين، والمطلب الأخير كان يتردد على ألسنة العراقيين، لكن الذي فجره وأصبح ضمن مطالب المتظاهرين هو بالتأكيد رد فعل لما أعلنه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن الفساد في العراق وأسماء الفاسدين وما نهبوه من أموال من قوت ولحم الشعب العراقي وأودعوها في المصارف الأمريكية. 

 

أما مسألة قانون الانتخابات وضرورة تعديله، فهو مطلب مشروع لأن القانون الحالى مليء بالمثالب حيث أنه يعتبر العراق دائرة انتخابية واحدة، مع تحديد عدد من المقاعد البرلمانية لكل محافظة تبعا لعدد مواطنيها، وقد حدثت اعتراضات عديدة عند مناقشة بنود هذا القانون قبل إقراره، فالمحافظات التي اعترضت كان مرجع اعتراضها هو شعورها بالغبن من الحصة التي حددت لها، أما المطالبة بتغيير أو تعديل تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، فالمطالبون يتهمون المفوضية بعدم الحيادية في إشرافها على العملية الإنتخابية. 

 

ولأن انتخابات البرلمان العراقي محدد لها العام المقبل فإن التحضير والترتيب والتحالفات والإنشقاقات بدأت من الآن، وكانت تلك التظاهرات والتى تعامل معها الأمن بخشونه فأطلق الرصاص على المتظاهرين مما أوقع العشرات ما بين قتيل وجريح، وهي ما تنبىء بتفاقم الأوضاع في العراق، فالعنف يولد العنف، وأتباع مقتدى الصدر يلبون أوامره ونواهيه كمقدس لا يجوز مخالفته، ونذكر ما حدث من اقتحام للمنطقة الخضراء في بغداد بأمر منه حيث توجد المقرات الحكومية والبرلمانية ولم ينصرف المتظاهرون إلا بعد إشارة من الصدر بالانصراف. 

 

في الأيام التالية لتظاهرة السبت تم تنظيم جنازات رمزية لمن سقطوا في تلك التظاهرة، كما أعلنوا عن تنظيم مجلس عزاء لمدة ثلاثة أيام في ساحة التحرير، والعزاء مكون هام من الشخصية الشيعية، فحتى الآن يقيمون مجالس ومسيرات العزاء كل عام في ذكرى استشهاد الإمام الحسين وفي أربعينيته، ومجالس العزاء تلك هي التي أدت إلى إسقاط شاه إيران، فتظاهرة أسفرت عن سقوط قتلى برصاص الأمن، وأقيمت مراسم العزاء وسقط قتلى جدد، لتقام لهم مراسم عزاء أكبر وهكذا إلى أن سقط الشاه، فهل التظاهرات ومجالس العزاء التي تعقبها من الممكن أن تكون تكرارا لما حدث في إيران، الخشية الكبرى كانت من حدوث عمل إرهابى وسط تلك الجموع كتفجير سيارة أو حتى تفجير شخص انتحارى لنفسه، مما ينذر بتفجير الدولة نفسها ودخولها في أتون الحرب الأهلية. 

 

ورغم أن أغلبية المتظاهرين من التيار الصدرى، إلا أن برلمانيون وسياسيون من كتل سياسية أخرى شاركوا في تلك التظاهرات كان أبرزهم إياد علاوى زعيم القائمة الوطنية ونائب رئيس الجمهورية، ولا يمكن أن نفصل هذا المشهد عن المشهد العراقي العام خصوصا عملية تحرير الموصل ثانى أكبر مدينة عراقية من داعش، فهناك من الأصوات ما تتهم تيارات سياسية عراقية بتأجيج المشاعر والعمل على إشعال التظاهرات من أجل إلهاء الحكومة وقواها الأمنية وبالتالى تعويق عملية تحرير الموصل، وهنا يبرز اسم نورى المالكى رئيس الوزراء السابق ومسؤوليته في احتلال الموصل ومدنا عراقية أخرى، وأنه لا بدَّ أن يخضع للمساءلة عما حل بالعراق نتيجة لذلك، فالبعض يتهمونه وهو كان القائد العام للقوات المسلحة بنص الدستور، بأنه هو الذي أصدر الأوامر للقوات المسلحة وقوى الأمن بالانسحاب المهين من الموصل وما تبع ذلك من انسحابات أخرى في مدن أخرى سلمت لداعش دون قتال، وهؤلاء الذين يتهمون المالكى يقولون أنه يخشى المحاسبة بعد تخلص العراق من داعش. 

 

أما رئيس الوزراء حيدر العبادى فموقفه بالغ الصعوبة، فهو ينتمى إلى حزب الدعوة الشيعى نفس حزب نورى المالكى، وهو يود الإصلاح لكنه ضعيف أمام صقور الحزب، فهو لا يستطيع التخلص منهم لأنهم أولا وأخيرا سنده في المشهد السياسى المحتدم، ورئيس المفوضية والذى رفض التنحى عن منصبه، طالب بتأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في إبريل من العام القادم والتى يسبقها انتخاب مجالس المحافظات، ومبرره في التأجيل هو عدم توفر الاعتمادات المالية لإجراء عملية الانتخاب، وربما كان هذا المبرر صحيحا وربما كانت هناك مبررات أخرى لم يعلنها، لكن ما يحسب لهذه المظاهرات أنها كانت وطنية بامتياز، فالعلم العراقي وحده هو الذي رفعه المتظاهرون، كما أن كافة الشعارات كانت وطنية وابتعدت تماما عن الطائفية، لكن هل تستمر الأمور هكذا، مظاهرات تعقبها مظاهرات والمشهد السياسى لا يحتمل، هناك من السياسيون من يتمنى أن تستمر المظاهرات وتتضاعف وتسيل دماء، فهى بهذا تحقق مآربها، وهناك قوى أخرى تتمنى حل المشكلات التي أدت لتلك التظاهرات، كما أن هناك قوى ثالثة تتمنى أن تنته تلك التظاهرات دون حل مسبباتها فالأمور في نظر هؤلاء (ليس في الإمكان أبدع مما كان)، ويظل العراق على حاله إذ تقدم خطوة إلى الأمام يتراجع مثلها أو أكثر منها إلى الخلف، وتظل مسألة تحرير الموصل متباطئة وتسيل الدماء غزيرة كل يوم، ولا أحد يمكنه التنبؤ ماذا سيكون عليه غد العراق، وهل تكون تلك المظاهرات مقدمة لأمر خطير، أم ماذا؟

 

اعلان