«القدس عاصمة فلسطين».. كيف يرد العرب على قرار ترامب؟

كتب: أحمد علاء

فى: العرب والعالم

19:51 08 ديسمبر 2017
"كم كنت وحدك.. يسرقون الآن جلدك".. لو قُدّر للشاعر الفلسطيني محمود درويش أن يكتب من جديد عمّا آلت إليه القدس، أو تُركت لما آلت إليه، لكتب يقول: "كم كنت وحدك يسرقون الآن أرضك ووطنك".. القدس عاصمةً لإسرائيل.
 
وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الأول الأربعاء ليعلن ما رفضه سابقوه، تحدّث ترامب: "قررت أنّه آن الأوان للاعتراف رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل"، لتنتفض موجة تنديد دولي، تحذّر مما يمكن أن تحدثه هذه الخطوة في منطقة هي في الأساس ملتهبة وليست في حاجة لما قد يلهبها أكثر.
 
ترامب برَّر قراره قائلًا إنّ "كل الرؤساء السابقين أجّلوا نقل السفارة على أساس الحقائق المتوفرة في هذا الوقت، وبعد أكثر من 20 عامًا لا يمكن تكرار الصيغة نفسها لأنّها لن تأتي بنتائج أفضل". 
 
لكنّ بيانات الإدانة التي اعتاد الحكام العرب على مدار السنوات الماضية على إصدارها على مضد بشأن أي تطور في القضية الفلسطينية قد لا تغدو مناسبة الآن مع قرار كارثي للمسلمين على هذا النحو، وهنا طرح تساؤلٌ عن الخيارات المتاحة للتعامل مع هذا التطور.
 
كان لزامًا أن تفرض هذه الخطوة نفسها في بؤرة الأحداث على مستوى العالم، وهذا راجع إلى أنّ هناك قناعة لدى مختلف دول العالم عدا جهات داعمة علنًا أو سرًا لواشنطن، بأنّ توترًا وعنفًا ستواجهه المنطقة جرّاء هذا القرار، كما أنّه قد يرتقي إلى اعتباره إعلان وفاة لعملية السلام التي عُرف عنها الولايات المتحدة أنّها راعية لها.
 
صحيفة "الجارديان" البريطانية أوضحت حالة الجدل التي تفرض واقعًا جديدًا للاعبين الأساسيين في المنطقة، فبدايةً سيعتبر الفلسطينيون إعلان ترامب نهايةً لآمالهم ومطالباتهم بالقدس الشرقية عاصمةً لدولةٍ فلسطينيةٍ مستقبليةٍ مستقلة، ورغم أنّ بعض الفلسطينيين يرغبون في العودة إلى "المقاومة"، فإنّ أغلبهم سيشعر أنّ الجهود الدبلوماسية لم تقرِّبهم بأي شكلٍ من إنشاء دولتهم، وسيبحثون عن بديلٍ للفعل المباشر.
 
الحكومة الإسرائيلية - حسب الصحيفة - تتعامل مع الخبر بسعادةٍ غامرةٍ، فمنذ احتلالها وضمها بعد ذلك للقدس الشرقية في حرب الستة أيام عام 1967، تعتبر إسرائيل القدس عاصمتها "الأبدية وغير المُقسَّمة"، ولطالما سعت لاعترافٍ دوليٍّ بذلك، وسيُعزِّز ذلك وجهة نظر الكثير من الإسرائيليين الذين يرون أنّه لا يوجد ما يفاوضون عليه الفلسطينيين، كما سيحتفل أكثر من 200 ألف إسرائيلي يعيشون في مستوطناتٍ بالقدس الشرقية بما يتعارض مع القانون الدولي.
 
الصحيفة قالت إنّ خطوة ترامب ستزيد من زعزعة استقرار المنطقة المشتعلة بالعنف بالفعل، وأشارت إلى تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنّ "الولايات المتحدة تُدخِل المنطقة والعالم في أتون جحيم لا تُرى له نهايةٌ قريبةٌ"، وقد ألمحت أنقرة إلى أنّها قد تقطع علاقاتها بإسرائيل إذا مضت الخطة قُدُمًا.
 
أمّا السعودية الذين وصفته الصحيفة بأنها "حليفٌ مهمٌّ للولايات المتحدة في المنطقة" فتعتقد أنّ الخطوة تُدمِّر مساعي الرياض لإحياء اتفاق سلام، فيما الدول العربية ذات الحدود المشتركة مع إسرائيل، وهي مصر والأردن ولبنان وسوريا، فقد أدانت جميعها الخطوة.
 
يثير اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل - كما تذكر الصحيفة - انتباه معظم الدول الأوروبية بشدة، لكن السؤال الفارق هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتخذ موقفاً أم لا، كأن يفرض حظرًا صارمًا على الواردات من مستوطنات الضفة الغربية، وأن يرفض التعامل مع الشركات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، واضعًا نفسه بذلك في مسارٍ مخالفٍ تمامًا لما تتخذه الولايات المتحدة.
 
الصحيفة تحدّثت كذلك عن المسيحيين في الأراضي المقدسة، وأشارت إلى أنّ البطريرك الأرثوذوكسي اليوناني ثيوفيلوس الثالث، الذي يُعتَبَر أكبر رمزٍ مسيحيٍ في القدس، وغيره العشرات من بطاركة الكنائس أرسل رسالةً لترامب، يوم الأربعاء الماضي، مُحذِّرين إياه من إحداث "أذى لا يمكن إصلاحه"، وقالوا: "هذا التحرُّك يؤدي إلى زيادة الكراهية والصراع والعنف والمعاناة في القدس والأراضي المقدسة، الأمر الذي سيبعدنا عن الوحدة التي نهدف إليها، ويقرِّبنا أكثر نحو الانقسام المُدمِّر". 
 
يُضاف إلى ذلك أغلب ردود الأفعال الدولية التي رفضت هذا الخطوة، وأكّدت أنّ حل "نقطة القدس" يجب أن يكون من خلال التفاوض.
 
بالعودة إلى كيفية التعامل مع هذه الأزمة، فإنّ ذلك يكون من خلال آليتين، وهي شعبية وآخرى على صعيد الحكومات.
 
شعبيًّا، يمكن اعتبار أنّه ليس بيد المواطنين إلا التعبير عن رفضهم لهذا القرار من خلال المظاهرات السلمية أمام سفارات إسرائيل والولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، ودعم انتفاضات الشعب الفلسطيني ضد هذا القرار.
 
لكنّ المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومات العربية والإسلامية للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل للتراجع عن هذا القرار الظالم من خلال ثلاث طرق رئيسية.
 
أول هذه الطرق تتمثل في تقليص حجم صفقات السلاح بين الدول الإسلامية والولايات المتحدة التي تبلغ قرابة 200 مليار دولار، وتستحوذ دول الشرق الأوسط الإسلامية على النصيب الأكبر منها، وعلى وجه التحديد دول الخليج العربي.
 
في دراسة أعدها معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، جاءت ست دول عربية ضمن قائمة أكبر مستوردي السلاح الأمريكي في الفترة من 2012 حتى 2016، وهي السعودية والإمارات وتركيا والعراق ومصر والكويت، خلافًا عن توقيع السعودية لعقود تتجاوز قيمتها 110 مليارات دولار مع الولايات المتحدة في العام الجاري والتي تتضمن عقودًا لشراء أسلحة وأنظمة دفاعية وغيرها من المشتريات العسكرية.
 
علاوةً على ذلك، وقّعت قطر على اتفاقية عسكرية أيضاً بنحو 12 مليار دولار مع الولايات المتحدة لشراء مقاتلات إف 15 في 2017، كما بلغ إجمالي حجم صفقات السلاح بين العراق والولايات المتحدة نحو 150 مليار دولار منذ عام 2003 إلى 2016.
 
العامل الثاني يتمثل في ضرورة تقليص حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والدول الإسلامية والذي بلغ 220 مليار دولار في عام 2015 وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي. 
 
وتأتي دول مثل تركيا وماليزيا وإندونيسيا والعراق والسعودية والإمارات ضمن أكبر الدول في حجم التبادلات التجارية مع الولايات المتحدة.
 
المسار الثالث يتمثل في التحرك الدبلوماسي العربي الإسلامي ضد قرار ترامب سواء على الصعيد الدولي في مجلس الأمن والأمم المتحدة، أو مستوى جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي التي تضم نحو 57 دولة إسلامية.
 
يقول الكاتب والمحلل أحمد النشار الذي وضع هذه التصورات لهاف بوست عربي: "هذه السبل واستراتيجيات الرد هي أضعف الإيمان للأمة الإسلامية والعربية في الوقت الراهن، فلا يجب أن يمر قرار مثل هذا دون أن يسمع العالم صوت الأمة الإسلامية الواهِن، إلى أن يحين الوقت المعلوم لنسمع نحن صرخاتهم واستغاثاتهم حينما يكون للأمة خلافة على منهاج النبوة".

اعلان


اعلان