قائمة شندلر: وجه إنساني مشرق

كتب: دينا الأشرم

فى: نصوص

18:33 21 نوفمبر 2015

''من ينقذ حياة شخص ينقذ حياة العالم بأثره''
التلمود

 

هناك عدة أفلام تناولت تأثيرات الحرب العالمية الثانية على يهود بولندا. أشهر هذه الأفلام "الصبي ذو البيجاما المخططة The Boy in the Striped Pyjamas"، وفيلم رومان بولانسكى "عازف البيانو The Pianist"، وفيلم الراحل روبين ويليامز"ياكوب الكذاب Jacob the Liar". وضمن هذه الفئة من الأفلام، يأتي فيلم "قائمة شندلر Schindler's List" ضمن هذه الفئة من الأفلام.

قائمة شندلر (1993) واحد من أهم أفلام المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرج Steven Spielberg. الفيلم يأخذ شكل الفيلم الوثائقي، فهو يدور عن قصة حقيقية كتبها توماس كينلي بنفس اسم الفيلم. قائمة شندلر كرواية حصلت على جائزة البوكر، وهي عن شخصية حقيقية هي أوسكار شندلر وهو صناعي ألماني مسيحي كاثوليكي، وهو إنسان غير مكترث بالسياسة، ورجل أعمال انتهازي متمركز حول ذاته مهتم بجمع المال وإنفاقه والشرب والنساء.

في بداية الحرب ذهب إلى بولندا كي يُحقق الربح ويُمتع نفسه، رغبة في استغلال الحرب لتحقيق مكاسب مادية تعوضه عن حالة الإفلاس التي مني بها بسبب الكساد الاقتصادي الكبير. لذا يذهب إلى (الجيتو) الذي حُشر فيه اليهود، ليعرض عليهم شراكة استثمارية، يقومون من خلالها بتمويل وإدارة مصنع للأواني، تحت إشراف المحاسب إسحاق ستيرن. وهناك يعقد صفقة مع النازيين يتم بمقتضاها تزويده ببعض العمال اليهود من المعسكر لتشغيل مصنعه الذي ينتج أواني معدنية تساعد ألمانيا في جهودها العسكرية.

ومع أن شندلر نفعي ومادي، وبرغم مبدأه الانتهازي، إلا أنه بمرور الوقت، وبعد مشاهدته للأهوال التي يمارسها أفراد الجيش الألماني ضد اليهود الأسرى في المعسكرات، تهزمه إنسانيته تدريجيا ويبدأ في التعاون مع اليهود ويُضحي بثروته من أجلهم إذ يقوم بتقديم الرشاوى لكبار الضباط النازيين كي يضمن بقاء اليهود الذين يعملون في مصنعه. ومن هنا تتحول الصفقة المادية المبرمة بين شندلر والنازيين إلى آلية لإنقاذ 1200 يهودي بولندي، الذين يظهرون على قائمة شندلر.


أبدع ليام نيسون Liam Neeson في دور " أوسكار شندلر" وقد تم ترشيحه لأوسكار أفضل ممثل رئيسي عن دوره في هذا الفيلم. أما رالف ناثانييل فاينس Ralph Nathaniel Fiennes الذي قام بدور الضابط النازى آمون غُوث مدير معسكر "بلاسوف"، أحد معسكرات الإبادة في بولندا، فقد تم ترشيحه لجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد عن هذا الفيلم. بالمقابل فقد فاز بعدة جوائز عن هذا الفيلم منها جائزة NYFCC  لأفضل ممثل مساعد، جوائز NSFC, DFWFCA وCFCA  لأفضل ممثل مساعد، جائزة ALFS لممثل السنة البريطاني، بالإضافة لجائزة البافتا (جائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام). أما بن كينغسلي Ben Kingsley في دور اليهودي إسحاق ستيرن، فتم ترشيحه لجائزة البافتا عن هذا الدور.

عرض الفيلم في البداية على رومان بولانسكى ليقوم بإخراجه لكنه رفض الفيلم لأسباب شخصية كونه أحد الناجين من المحرقة. وإعتبر أن الفيلم يعيد له ذكريات لا يرغب في تذكرها. الطريف أن بولانسكى أخرج فيما بعد فيلم "عازف البيانو The Pianist" الذي يتحدث عن معاناة عازف يهودى أثناء الحرب في بولندا. رفض إخراجه أيضا مارتن سكورسيزي Martin Scorsese، ليخرجه ستيفن سبيلبرج Steven Spielberg.

إن تقسيم العالم يعتمد في حقيقته على جغرافية الحضارة والهوية لا على الحدود التقليدية بين الدول. لذا فإن تعاطف وحماس ستيفن سبيلبرج اليهودي الديانة كان عاملا قويا ومساعدا، وعليه فإن صناعته لفيلم قائمة شندلر تكريما وتخليدا لذكرى أوسكار شيندلر، يعد أمرا طبيعيا ومقبولا، خاصة إذا تذكرنا الجهود والتضحيات التي بذلها شندلر، وهو المسيحي الديانة، من أجل إنقاذ اليهود.

 

عالم اليهود وعالم الأغيار

كانت الأداة الأكثر نجاحا التي استخدمها شندلر في حملته الإنقاذية الذاتية التخطيط هي المركز المميز الذي كان مصنعه يتمتع به باعتباره "عملا تجارية حيويا للمجهود الحربي"من قبل "إدارة التسليح الحربي في بولندا"، وهو المركز الذي لم يؤهله للحصول على عقود مربحة مع الجيش فحسب، وإنما مكنه من الاعتماد على العمال اليهود المعتقلين في المعسكرات. وحين أصبح مستخدموه اليهود مهددين بالترحيل إلى أوشفيتز، استطاع استصدار إعفاءات لهم، محتجا بأن توقفهم عن العمل عنده قد يسيء إلى مسعاه الرامي إلى زيادة الإنتاج الحيوي للمجهود الحربي. ولم يتردد شندلر في تزوير الوثائق وإدراج الأطفال وربات البيوت والمحامين في قائمة الميكانيكيين المهرة وذوي الخبرة في الأعمال المعدنية. وكان إلى جانب ذلك يبذل كل جهد مستطاع للتغطية على العمال غير المؤهلين ومن كانت قدرتهم على العمل قد تعطلت بصورة مؤقتة.

"أنا لا أعرف لماذا فعلت ذلك؟ لقد كرهت وحشية وسادية وجنون النازية. أنا فقط لم أتمكن من الوقوف بموقف المتفرج وأرى الناس تقتل. فعلت ما بوسعي، ما كان علي القيام به، ما قال لي ضميري أنه يجب القيام به. هذا كل ما في الأمر حقا، لا أكثر ولا أقل".

تقول إميلى شندلر زوجة أوسكار في مذكراتها التي بعنوان "حيث يلتقي الضوء والظلال Where Light and Shadow Meet": "وعلى الرغم من عيوبه، كان أوسكار ذو قلب كبير، وكان دائما على استعداد لمساعدة كل من كان في حاجة للمساعدة، وكان اجتماعي، سخي للغاية وكثير الأعمال الخيرية، ولكن في الوقت نفسه، غير ناضج على الإطلاق".

ويحكي أحد الناجين، أنه سأل شندلر ذات مرة، لماذا فعل هذا؟ فكانت إجابته: "لقد كنت نازيًا، ولكنني آمنت أن الألمان أخطأوا حينما بدأوا في قتل الأبرياء. وكونهم يهود لم يهم على الإطلاق بالنسبة لي، فبالنسبة لي كانوا مجرد بشر لذا قررت أنني سأعمل من أجلهم وسأدخر أكبر قدر ممكن من المال". وأعتقد أن أوسكار كان يقول الحقيقة، لأن هذه هي الطريقة التي عمل بها.

بكى شندلر وهو يتذكر كيف أنه لم يفكر في بيع سيارته ليستغل قيمتها في إنقاذ (إنسان) واحد إضافي. شندلر لم يكن عظيما لمجرد أنه أنقذ يهودا فقط، بل لأنه أنقذ (الإنسان) من براثن الحرب. وتفاعله مع الجرائم التي ارتكبتها السلطة النازية ضد اليهود لم تنشأ لأنه يبدي ميلا وتعاطفا مع اليهود، بل لأنهم بشر وقع عليهم ظلم وبطش من الألمان. وحتى لو كان هؤلاء البشر من ديانة أخرى، لو كانوا مسلمين أو بوذيين أو هندوس، فإن الأمر لن يختلف مع أوسكار شندلر، فتعاطفه سيبقى هو ذاته لن يتغير، لأن الأمر إنساني مبدأ وغاية، وليس مرتبطا بهوية وديانة.

فيلم قائمة شندلر يخبرنا أن الأمر أكبر من مجرد رد جميل وتكريم، أوسع من قضية شخصية مرتبطة برجل واحد، فالروح الإنسانية، بمعناها الأكمل والأسمى، ظهرت بجلاء في ثنايا الفيلم. إذن فهدف سبيلبرج من هذا الفيلم إنساني أولا وأخيرا. وقد كرّم شندلر لأنه أنقذ الإنسان. كان من حظ أي واحد منهم أن يكون أحد هؤلاء العمال، حيث يعيش في ظل حماية أوسكار شندلر وعطفه ويدخل في لائحته الناجية من الموت (وكأن البشر أرقاما ووحدات ليست ذات قيمة في ذاتها، تُدرَج في قوائم)!


هناك بُعْد آخر أعمق في قائمة شندلر، وأساسي في الفيلم، وهو أن النازيين لم يكونوا يقتلون اليهود كُرها لهم أو حقدا عليهم، وإنما لأنهم كانوا غير نافعين. ولذا لم يكن يُباد النافع منهم، أي كل من يمكن توظيفه أو تسخيره في خدمة الاقتصاد الألماني. كان هناك من النازيين من يُكِّن كراهية خاصة لليهود، ولكن القيمة الكبرى والمهمة لم تكن الكراهية وإنما المنفعة، وأدرك شندلر هذا وتحرك في إطاره وتمكن من إنقاذ مجموعة من اليهود من أفران الغاز عن طريق توضيح نفعهم. ولعل أهم اللحظات في الفيلم من هذا المنظور اللحظة التي يقوم أحد الحراس النازيين فيها بتصنيف بعض الأطفال اليهود المرحَّلين إلى مصنع شندلر باعتبار أنهم لا نفع لهم، فهم مجرد أطفال لا يمكن أن يعملوا في المصنع، ولكن شندلر يُبيِّن لهم، في لهجة غاضبة، أن أيدي الأطفال الصغيرة ضرورية لأنها هي وحدها القادرة على الوصول إلى داخل بعض الأواني التي تخصَّص مصنع شندلر في صنعها. المسألة كلها مسألة نفعية عملية.

وقد حاز الفيلم على سبع جوائز أوسكار، من أصل اثني عشر ترشيحا، واحتل المرتبة التاسعة ضمن قائمة المعهد السينمائي الأمريكي لأفضل مائة فيلم على مر العصور، واحتل المرتبة السابعة في تقييم موقع IMDB لأفضل 250 فيلم على مر التاريخ.

ولا ننسى الإشادة بموسيقى الفيلم شديدة التناسق مع القصة والشخصيات والأحداث، في تناغم جميل، من تأليف العبقري جون تاونر ويليامز John William، الفائز بخمس جوائز أوسكار، من أصل 45 ترشيحا، كما فاز بأربع جوائز جولدن جلوب، وسبع جوائز بافتا، وإحدى وعشرين جائزة جرامي. وقد تم تصوير الفيلم كله بالأبيض والأسود ، بدون أي ألوان، سوى مشهدين فقط.

 


اقرأ المزيد:

فيلم "القيامة الآن" هوليود من مقاومة الحرب إلى تبريرها

الشك الذي أخافني

اعلان


اعلان